
فيما دعت الحركات المصرية إلى تظاهرة مليونية الثلاثاء في ميدان التحرير للمطالبة بإنهاء الحكم العسكري، دعا المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية القوى السياسية في البلاد إلى إجراء حوار عاجل، إثر تفاقم المواجهات في البلاد بين الشرطة والمحتجين.
القاهرة: أعلنت الحكومة المصرية استقالتها في اليوم الثالث من مواجهات دامية بين قوات الأمن ومتظاهرين، يطالبون بإنهاء الحكم العسكري في البلاد، التي تواجه أخطر أزمة منذ تنحّي حسني مبارك، في حين دعا المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى "حوار عاجل".
وليل الاثنين الثلاثاء، قتل شخصان في الإسماعيلية، حسب مصادر طبية في مستشفى هذه المدينة على البحر الأحمر، ما رفع إلى 26 عدد الأشخاص الذين قتلوا منذ السبت.
بعيد إعلان الحكومة استقالتها، أكد التلفزيون الحكومي، نقلاً عن مصدر عسكري، أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، الذي يحكم البلاد منذ تنحّي الرئيس السابق حسني مبارك في شباط/فبراير الماضي، رفض مساء الاثنين استقالة حكومة عصام شرف.
وكان المتحدث باسم الحكومة محمد حجازي أعلن في وقت سابق أن "الحكومة وضعت استقالتها تحت تصرّف المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، موضحًا أنه "تقديرًا للظروف الصعبة، التي تجتازها البلاد في الوقت الراهن، فإنها مستمرة في أداء مهامها كاملة إلى حين البتّ في استقالتها"، كما نقلت عنه وكالة أنباء الشرق الأوسط.
ومساء الاثنين، دعا المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية في بيان القوى السياسية في البلاد إلى "حوار عاجل" إثر تفاقم المواجهات الدامية في البلاد لليوم الثالث على التوالي بين الشرطة ومحتجين.
ووجّه المجلس الدعوة إلى "كل القوى السياسية والوطنية إلى حوار عاجل لدراسة أسباب تفاقم الأزمة الحالية، ووضع تصورات للخروج منها في أسرع وقت ممكن، حرصًا على سلامة الوطن"، بحسب البيان، الذي أوردته وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية.
وأعرب المجلس "عن بالغ أسفه لسقوط ضحايا ومصابين في هذه الأحداث المؤلمة، وقدم خالص التعازي إلى أسر الضحايا وعن تمنياته بالشفاء العاجل لجميع المصابين". وأضاف البيان إن المجلس "أصدر أوامره لقوات الأمن باتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لتأمين المتظاهرين، والتحلي بأقصى درجات ضبط النفس في إطار القانون".
وأكد المجلس في بيانه "إيمانه العميق بأن التظاهر السلمي حق مشروع للمواطنين، إلا أن الأمر لا ينبغي أن يخرج عن نطاق التظاهر السلمي، مهما كانت الظروف، حرصًا على سلامة جميع أبناء الوطن". ودعا "المتظاهرين وجميع أطياف الشعب إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس، حتى لا يؤدي الأمر إلى سقوط المزيد من الضحايا والمصابين".
وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة وزارة العدل بتشكيل لجنة "لتقصي الحقائق وأسباب وملابسات ما حدث، والتي أدت إلى وقوع ضحايا من المتظاهرين، وتقديم النتائج في أسرع وقت ممكن، واتخاذ الإجراءات القانونية ضد كل من يثبت تورطه".
وفي ميدان التحرير، لا يزال آلاف المتظاهرين يرددون "الشعب يريد إسقاط المشير" حسين طنطاوي، الذي يترأس المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وقال طارق صبري، وهو مدرس في الخامسة والثلاثين، "هذا أمر جيد. المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو الذي سيستقيل الآن، ويواجه مساءلتنا".
وأضاف الناشط محمد الحيتة في الرابعة والعشرين من العمر "نحن بحاجة إلى حكومة تكون لديها سلطات حقيقية. إن أي حكومة تحت رعاية المجلس الأعلى للقوات المسلحة لا قيمة لها".
تأتي استقالة الحكومة قبل أسبوع من أول انتخابات تشريعية منذ تنحّي حسني مبارك، الذي أطيح به تحت ضغط الشارع في الحادي عشر من شباط/فبراير، في حين تثير الصدامات الخشية من إرجاء الانتخابات، التي ستمتد لبضعة أشهر.
وكانت وزارة الصحة أعلنت عن مقتل 24 شخصًا وإصابة مئات آخرين بجروح في غضون ثلاثة أيام من المواجهات، وخصوصًا في ميدان التحرير في القاهرة، مركز حركة الاحتجاج الشعبية منذ بداية العام. ويزداد الغضب ضد المجلس العسكري، المتهم بأنه يريد الاحتفاظ بالسلطة، وبعدم الوفاء بوعوده الإصلاحية ومواصلة سياسة القمع الموروثة من عهد مبارك.
وقد دعت الحركات المصرية، التي أشعلت فتيل الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك في كانون الثاني/يناير الماضي، إلى تظاهرة مليونية الثلاثاء في ميدان التحرير للمطالبة بإنهاء الحكم العسكري.
ودعا ائتلاف شباب الثورة وحركة 6 إبريل مع غيرهما من الحركات عبر فايسبوك إلى القيام بهذه التظاهرة في الساعة 16:00 (14:00 ت غ) في ميدان التحرير في وسط القاهرة، الذي أصبح رمزًا ومعقلاً لحركات الاحتجاج.
ودعت هذه المجموعات إلى استقالة حكومة عصام شرف، وتشكيل "حكومة إنقاذ وطني"، كما دعت إلى إجراء الانتخابات الرئاسية في موعد أقصاه نيسان/إبريل 2012، وإلى إعادة تنظيم شامل لوزارة الداخلية.
وأعلنت جماعة الإخوان المسلمين المصرية أنها لن تشارك في "التظاهرة المليونية". وقال حزب الحرية والعدالة المنبثق من الجماعة في بيان نشره موقعه الالكتروني إنه "أعلن عن عدم مشاركته في المليونية، التي قرر عدد من الأحزاب والقوى السياسية تنظيمها في ميدان التحرير (…) وذلك حرصًا منه على عدم استدراج الشعب إلى مواجهات دامية جديدة مع أطراف تسعى إلى مزيد من الاحتقان".
وأكد الحزب "استمرار مساعيه، مع كل الأطراف، إلى وأد الفتنة، التي أشعلتها وزارة الداخلية في البلاد، والتي تركت الانفلات الأمني يسود في كثير من المحافظات، بينما استأسدت على المتظاهرين".
ودان عشرات من الدبلوماسيين المصريين الاثنين المواجهات الدامية التي جرت بين المتظاهرين المطالبين بسقوط الحكم العسكري وقوات الأمن، موقعة 24 قتيلاً في ثلاثة أيام. ودعوا إلى سرعة "وقف العنف والاعتداءات الممنهجة على المتظاهرين السلميين".
وقال نحو 140 دبلوماسيًا من العاملين في وزارة الخارجية المصرية والبعثات الخارجية "نحن مجموعة من الدبلوماسيين المصريين، نتشرف بالانتماء إلى هذا الشعب وتمثيله، نعتز بتاريخه، ونعمل من أجل مستقبله، شاركنا في ثورة يناير المجيدة بقلوبنا وعقولنا وأجسامنا، وهالنا ما نرى من اعتداءات على كرامة هذا الشعب، الذي نؤمن بأنه لن يهان مرة ثانية، وما صاحبها من نزيف لدماء شباب مصر الطاهر".
وفي القاهرة، قتل 21 شخصًا بالرصاص الحي أو اختناقًا بسبب إطلاق كثيف لقنابل الغاز المسيل للدموع، بحسب المسؤول في مشرحة. وقضى رجل السبت في الإسكندرية (شمال).
واتهمت وزارة الداخلية في بيان المتظاهرين بإطلاق القنابل الحارقة وإطلاق الرصاص من بنادق صيد على قوات الأمن، ما أدى إلى إصابة 112 في صفوفهم بجروح. وتحدث البيان عن "اعتقال 116 مشاغبًا في القاهرة، و46 في الإسكندرية، و29 في السويس".
في الوقت نفسه، دعت جامعة الدول العربية، التي تتحدث للمرة الأولى عن هذه الأحداث، إلى الهدوء، وحضّت الفاعلين السياسيين على العمل على "التغيير الديموقراطي". وفي ميدان التحرير، واصلت الشرطة إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين، الذين ردوا بإلقاء الحجارة، وتوزعوا مجموعات صغيرة في الميدان ومحيطه.
جرت المواجهات الأكثر شدة في محيط وزارة الداخلية، الهدف المفضل للمتظاهرين، وتحت أنظار قوات مكافحة الشغب قرب ميدان التحرير. وواصل التلفزيون العام نقل هذه المشاهد مباشرة، كما يفعل منذ بداية المواجهات.
وتستهدف شعارات المتظاهرين خصوصًا المشير حسين طنطاوي، أحد أبرز رجال النظام السابق. وأكد حسن الحملاوي، وهو ناشط يساري، "لقد أطحنا بمبارك فقط، لكن نظامه والطغمة العسكرية لا يزالان هنا"، مضيفًا "أن ما يجري هو استمرار للثورة".
وندد الموظف محمد أنور (31 عامًا) بالذين يتولون إدارة شؤون البلاد حاليًا، وقال إنه لا يرى أي فرق بين اليوم و25 كانون الثاني/يناير عندما بدات حركة الاحتجاج الشعبية. وتعهد الجيش بإعادة النظام إلى المدنيين، بعد انتخاب رئيس جديد، لكن موعد الانتخابات الرئاسية التي ستلي الانتخابات التشريعية لم يتحدد بعد.
وأبدى الجيش "أسفه" لأعمال العنف، داعيًا الحكومة إلى عقد لقاءات مع القوى السياسية لوضع حد لهذه الأعمال، مؤكدًا في الوقت نفسه التمسك بالجدول الزمني الموضوع لتنظيم الانتخابات.
وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة ووزيرة خارجية أوروبا كاثرين أشتون إلى "احترام حقوق الإنسان". من جهتها، أعربت باريس ولندن وروما وبرلين عن قلقها، بينما أبدت الولايات المتحدة "قلقًا شديدًا"، ودعت إلى "ضبط النفس".




