.jpg)
يعتبر المقهى الشعبيّ موروثًا تراثيًّا معروفًا ومشهورًا على امتداد الوطن العربيّ الكبير؛ وقد شكّل علامة بارزة في مجتمعنا العربيّ ومفردة مهمّة من مفردات حياتنا، لماذا؟!
لأنّ العديد من المقاهي أصبح أشبه بـ«جامعة» شعبيّة تُعقد فيها الجلسات الثقافيّة والفنيّة والمنتديات السياسيّة؛ ممّا جعل من زمنيّة المقهى، والّذي اختزل اسمه في العودة إلى المصطلح التاريخيّ، القهوة، تضاهي الأزمنة الأخرى، مثل العمل والمنزل. فلم تعد مواعيده ثانويّة، مقارنةً بغيرها، وهكذا أصبح هذا المكان بالنسبة لمرتاديه نافذة على حديقة الحياة.
وكيف لا؟!.. وهو الدفيئة الّتي لم تخلُ من الفنون السائدة في كلّ زمن وزمن؛ مثل السِّيَر الشعبيّة الّتي كان يحكيها القاص الشعبيّ أو الحكواتي، وهو الشخصيّة الشعبيّة المحبّبة في الوطن العربي، أصبح ظاهرة مشتركة تميّزت بها المدن الكبرى، كدمشق وحلب وطرابلس وبيروت وصيدا وحيفا.. كذلك لم تخلُ المقاهي من الرقص والغناء وألعاب خيال الظلّ وفنون الأدب الّتي كانت تقدّم بأسلوب زجليّ؛ وكان بيرم التونسيّ أوّل مّن جعل الأرغول فنًا مكتوبًا في العام 1924، ونقل هذا الفنّ إلى الغناء، فغنّت له كوكب الشرق (أمّ كُلثوم) الأغنية المشهورة: «الأوّلَه في الغرام». هذا وتؤكّد المصادر التاريخيّة على وجود ارتباط وثيق بين المقهى والمثقّف. وقد جاء هذا الارتباط عبر علاقة حميميّة بين عمالقة الأدب والفنّ والمقاهي، وذلك من خلال الحوارات بيت الأدباء والشعراء والمفكّرين والمبدعين.
ومن شواهد هذه المقاهي المعروفة: مقهى «ريش» في القاهرة، وفيه جلس جمال عبد الناصر يخطّط لثورة تمّوز؛ وكتب على إحدى طاولاته الشاعر العراقيّ البيّاتي كثيرًا من أشعاره؛ وكان من روّاده: طه حسين، والعقّاد، وجمال الغيطاني، وأمل دنقل، وأحمد فؤاد نجم. ومقهى «الفيشاوي»، أحد أقدم مقاهي مصر، والذي لعب دورًا كبيرًا في الحركة الأدبيّة والثقافيّة، ويكفي أنّ نجيب محفوظ كتب معظم أعماله فيه.
وإذا طرنا على بساط ريح مطربنا فريد الأطرش إلى بغداد نزور هناك مقهى «الزهاوي» الذي جمع النخب الثقافيّة، ومنهم شاعر العراق محمد مهدي الجواهري، والشاعر جميل صدقي الزهاوي؛ وحين نغادرها ونصل معه إلى دمشق نرتاد مقهى «النوفرة» خلف الجامع الأمويّ؛ وبوصولنا إلى عمّان نزور مقهى «عمون» في أوّل شارع السلط، لنلتقي بالأديب مؤنس الرزاز.
وهكذا نرى، قارئاتي قرّائي، أنّ هذا النوع من المقاهي الشعبيّة الخاصّة، أصبح بالنسبة لمرتاديه، المثقّفين والمبدعين والعامّة، أشبه بـ«المدارس» الّتي تعلّم الكثير من العلوم والمعارف والفنون، إضافة إلى كونها دفيئات اجتماعيّة للتعارف.
وحتّى مع ظهور المقاهي الإلكترونيّة ومقاهي الـ«إنترنت» والـ«فيسبوك»، سيظلّ المقهى الشعبيّ النوعيّ، المنتدى الثقافي والأدبيّ والفنيّ والسياسيّ، الذي يعكس حركة شارعنا العربيّ، وإيقاعات ونبض حياتنا اليوميّة.
(حيفا)




