عظمة اللسان وخطورته
بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء
إمام مسجد الجرينة ومأذون حيفا الشرعي
تكثر الأسئلة وكذلك الشكاوى من أناس لا هم لهم الا الطعن بالآخرين لعلة او بغير علة وقديما كان التعبير عن الهم الداخلي اما بالشعر او الخطابة او المواجهة ولكننا اليوم نجد استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الكلمة دون قيد او شرط وأحيانا لا نعلم من الناشر عبر هذه الوسائل وعلى أي حال بأي وسيلة كانت الكلمة فربنا سيحاسبنا عليها لأنه هو المنعم علينا بهذه الأعضاء والجوارح وقد خلقها لغايه شريفة تخدم بها مصلحة صاحبها ومصالح البلاد والعباد وقد نبهنا ربنا الى ذلك بسؤال ( ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين ) هذه نعم تحتاج الى شكر المنعم , وشكره لا يكون الا باستخدام هذه الأعضاء بالخير وتجنيبها كل شر وسوء لأن كل كلمة نتفوه بها او نكتبها سيسألنا عنها ربنا يوم الحساب لان التعبير عما يجول بالخاطر من الآيات الدالة على عظمة الخالق قال ربنا ( ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ) وكلما عظمت مكانة المرء وزكت نفسه كان استخدامه للكلام موافقا لمكانته والعكس صحيح كلما تدنست نفس المرء وحط من مكانته في المجتمع كان تعبيره بالكلام السيء , قد تجد الأستاذ يعلم ويحاضر ويربي بكلامه وتجد آخر ينم ويغتاب ويقع بأعراض الناس وشتان ما بين الثرى والثريا فالأول ينال اجره بكل كلمة تفوه بها والثاني يعاقب على كل كلمة قالها لذا كان مما يخافه الرسول هذا اللسان فقد سأله احدهم قائلا : يا رسول الله : ما اخوف ما تخاف علي ؟ فأخذ بلسانه وقال ( هذا ) لأن اللسان مفتاح كل فضيلة ومفتاح كل خطيئة فبه يتم الإصلاح ونشر المودة والمحبة ومنه تنطلق افواه البنادق لذا يروى عن شقيق البلخي قال : لبى عبد الله على الصفا , ثم قال : يا لسان قل خيرا تغنم . اسكت تسلم من قبل أن تندم , قالوا : يا أبا عبد الرحمن , هذا شيء تقوله أم تسمعه ؟ قال : بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إن أكثر خطايا ابن آدم من لسانه ) فمن أراد السلامة باستسلامه لله فعليه أن لا يقول الا الحق وأن يمتنع عن كل ما يورده الموارد من آفات اللسان قال رسول الله ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) لأن اللسان هو القائد لجميع الأعضاء وقد عبر عن ذلك الرسول بقوله ( إذا أصبح ابن آدم , فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول : اتق الله فينا , فإنما نحن بك .فإن استقمت استقمنا , وإن اعوججت اعوججنا ) ويستدل من ذلك أن المرء اذا بلغ جيل التكليف عليه أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام الا كلاما فيه مصلحة للأفراد والجماعة وقد خاطبنا ربنا بكتابه فقال ( ولا تقف ما ليس بك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) وقال ( وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) فكيف بمن اشغل نفسه بمغيبة الناس والإساءة اليهم دون ان ينتبه لأنه اعتاد ذلك وقد حذر الرسول من لا يحاسب نفسه على كلامه فقال ( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها الى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ) لأنه قال ظلما وجورا او قولا فاحشا ولكنه اذا اعتاد الكلمة الطيبة فنبشره بقول رسول الله ( إن العبد ليتكلم من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات , وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم ) والغيبة والنميمة من الكلام الذي نهى عنه الشارع قال تعالى ( ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) فالكلام الجارح اما أن يكون حقيقة وإما أن يكون كذبا فمن الكلام الجارح الصادق هو الطعن بالناس بما فيهم وهذا ليس من حق أي انسان فمثلا القول فلان منافق او فلان قصير ونحو ذلك حتى لو كان صدقا فلا تسخر من الناس بما فيهم من العيوب واحيانا الحقد الدفين يدفع البعض الى إشاعة الشائعات الكاذبة وتجد من يروج لها وينشرها لذا قال رسول الله ( أتدرون ما المغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم , قال ( ذكرك أخاك بنا يكره ) قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال ( إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته , وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ) أي قلت فيه كذبا وبهتانا لذا تعالوا لنستمع الى وصية رسول الله لمعاذ بن جبل , سأل معاذ رسول الله فقال : يا رسول الله : اخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار . قال ( لقد سألت عن عظيم , وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه : تعبد الله ولا تشرك به شيئا , وتقيم الصلاة , وتؤتي الزكاة , وتصوم رمضان ,وتحج البيت ) ثم قال ( ألا أدلك على أبواب الخير , الصوم جنة , والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار , وصلاة الرجل في جوف الليل ) ثم تلا ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع )ثم قال ( ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ) قلت بلى . قال ( رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ) ثم قال ( ألا أخبرك بملاك ذلك كله )فقلت بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه وقال ( كف عليك هذا ) قلت : يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال ( ثكلتك أمك يا معاذ , وهل يكب الناس في النار على وجوههم – أو على مناخرهم الا حصائد ألسنتهم ) وقد يسأل سائل لما تقدم هذه النصائح في هذه الأيام ؟ فالجواب : لأنني اسمع واشاهد تطاول الناس على بعضهم وتجريحهم لقياداتهم وخصوصا في مثل هذه الأيام التي يتنافس فيها البعض استعدادا للانتخابات فأقول للجميع اتقوا الله ولا تتكلموا بالكلمة التي تولد الأحقاد والضغائن





