التراحم والتناصح بقلم الشيخ رشاد ابو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 06/06/2022

التراحم والتناصح

الشيخ رشاد أبو الهيجاء
إمام مسجد الجرينة ومأذون حيفا الشرعي

التراحم والتناصح بين العباد والمؤازرة ولو بالكلمة ضرورة من ضروريات الحياة وخاصة في مثل هذا الزمان الذي نعيش فيه حيث كلما تقدمت التكنولوجيا وانفتح العالم على بعضه كلما اعترت بعض الأشخاص حالات من الهلع والخوف لأن العالم بكل حضارته وبكل همومه يستقبلها الفرد وقد يكون وحيدا في حجرته بعيدا عمن يوجهه ويبين له حقيقة الأشياء ولا شك أن جل ما يسوق للناس عبر التكنولوجيا هي الحروب والمؤامرات ودواعي الفرقة والتناحر بين الناس وربط الناس بالمادة وتغذية الجسد بكل ما تحتاجه ماديته دون الانتباه الى حقيقة أن الانسان لا يعيش فقد بالمادة لأن المادة تجعله يخلد الى الأرض إنما الانسان روحا وجسد فغذاء الروح علوي وغذاء الجسد مادي سفلي ولا يمكن الفصل بين الاثنين ولكنك  تجد بعض الدول توفر لمواطنيها كل أسباب الرفاهية ولكنها هي نفسها التي يعاني العدد الكبير من أبنائها من مشاكل نفسية تدفع بعضهم الى الانتحار او القتل والجريمة وهذا ما يفسر ما آلت اليه الأمم والشعوب في زماننا , لذا فمن كان ماديا خالصا لا يمكنه دفع الخوف والهلع عن نفسه لذا قال ربنا مبينا الطريق الأسلم لحياة كريمة لا فزع فيها ولا هلع ( إن الانسان كان هلوعا * إذا مسه الشر كان جزوعا * وإذا مسه الخير كان منوعا * الا المصلين * الذين هم على صلاتهم دائمون * والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم * والذين يصدقون بيوم الدين * والذين هم من عذاب ربهم مشفقون * إن عذاب ربهم غير مأمون , والذين هم لفروجهم حافظون *إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون , والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون , والذين هم بشهاداتهم قائمون * والذين هم على صلاتهم يحافظون )  لأن من أوى الى ركن شديد لا يجزع على شيء فاته ولا يخاف من أجل قدره الله له فتجده دائم العطاء وبحركة مستمرة حتى لو تكالبت عليه الدنيا بما رحبت لذا بين ربنا حقائق قال تعالى ( فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) وقال (ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ) وليس في الدنيا عذاب أشد من أن يعيش المرء هلعا خائفا من الحاضر وغير واثق من المستقبل وكل صيحة يحسبها عليه  وحتى تطمئن النفس لا بد من غذاء الروح بعد غذاء الجسد  , وغذاء الروح يكون بما أنزل الله من كتب سماوية وقد جاء في القرآن الكريم ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) ( وشفاء لما في الصدور )  لأن المدد الحقيقي الذي يجعل النفس مطمئنة هادئة البال يأتي من الخالق القائل في الحديث القدسي (  عبدي أطعني ما أمرتك , ولا تعلمني بما يصلحك , أنا أكرم من أكرمني , وأهين من هان عليه أمري , ولست ناظرا في حق عبد حتى ينظر العبد في حقي )  ولا شك أن كل منا يخاف او يشعر بضيق في صدره  ولكن بدرجات متفاوتة  ويدحر ذلك المؤمن بربه بحسن التعبد والتوكل على الله قال تعالى مبينا وآمرا لرسوله ( ولقد نعلم أنه يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) حتى يدرك الانسان انه انسان مكرم من ربه وأن هذه الأشياء التي قد توصله الى الخوف والهلع انما هي أشياء سخرت لخدمته , فالإنسان هو نقطة المحور الأساسية وكل هذه الأشياء وجدت حتى تسهل عليه حياته لذا لا ينبغي ان فقد محيطة أن يهلك ذاته لأن ما عند ربه خير وأبقى قال تعالى ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب )  ثم أن من اقوى ما يعين على دفع حالات الهلع والخوف هو المحيط الحاضن المتماسك الذي يشد بعضه عضد البعض برحمة ومحبة وهذا الحال الذي وصف الله رسوله واصحابه فقال ( رحماء بينهم ) ولا يجهل عاقل أن كل مخلوق يحتاج الى الحنان العاطفي لذا شدد القرآن وكذلك السنة على أن يسلك قادة وعقلاء المجتمع السلوك الذي يوفر الأمن والأمان لمن يشعر بالضعف , بالكلمة الطيبة وحسن المعاملة والمؤازرة المادية او الاجتماعية والنفسية فقال عن حق الوالدين ( وبالوالدين احسانا وذي القربى واليتامى والمساكين ) وقال ( ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير ) وقال ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها )  بل اعتبر القرآن أن من الجحود أن لا يعمل الانسان على دحر دوافع الخوف والهلع من الضعفاء فقال ( أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين ) وقد اقسم الرسول الكريم فقال ( والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا )  وبقدر حب المرء للخلق يدفع الله عنه السوء قال رسول الله ( من يحرم الرفق يحرم الخير كله )  ومن اجل الوصول الى حالة الاستقرار النفسي علينا التدرج ومتابعة احتياجات النفس حيث على المرء أن يتصف بصفات عباد الرحمن ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) ثم التربية الاقتصادية كعامل أساسي للتراحم قال تعالى ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) ثم عليهم أن يحسنوا التوكل والتوجه الى ربهم ( والذين لا يدعون مع الله أحدا ) ثم يبتعدون عن الفواحش ( ولا يزنون ) بل يعفون ويصفحون حتى يحل الأمن النفسي ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.