صوم المتقين بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 12/04/2022

صوم المتقين

الشيخ رشاد أبو الهيجاء
إمام مسجد الجرينة ومأذون حيفا الشرعي

ندرك من خلال فرضية الصيام بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين كن قبلكم لعلكم تتقون ) أن للصيام غاية عظيمه يرجى من خلالها التغيير الإيجابي في علاقة العبد مع ربه وعلاقته مع الخلق فمع ربه يجدد العهد عندما تصفو نفسه وتتزكى بالإقبال على الطاعات مع الإخلاص لوجه الله تعالى بالباقيات الصالحات قال تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ) فيقف على بابه مستجيرا ومستغيثا وقد قطع رجائه من الخلق وتعلق بالخالق واشتد خوفه من ربه لأنه محب له لا يقبل لنفسه الأمارة بالسوء أن توقفه موقف الحسرة والندامة لذا لا يسمح لنفسه أن تكون في موطن يعصى فيه الرب وحري بنا ونحن في هذا الصفاء الروحي أن نتذكر حال الأتقياء ونجتهد أن نتتبع خطاهم ولا نغتر بأعمالنا وأن كانت فضائلها عظيمة قال رسول الله ( والله لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم , وقال : لن ينجي أحد منكم عمله , قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) ويروى أن نبي الله داود كان يؤتى بالإناء ليشرب منه , فما يشرب إلا ثلثه أو نصفه , ثم يذكر خطيئته , فينتحب النحبة تكاد مفاصله تزول بعضها عن بعض , ثم ما يتمه حتى يملأه من دموعه ) ويروى أن قوما دخلوا على عمر بن عبد العزيز يعودونه في مرضه , فإذا بشاب من بينهم ناحل الجسم , فقال له عمر : يا فتى , ما الذي بلغ بك ما أرى ؟ فقال : أمراض وأسقام يا أمير المؤمنين . فقال عمر : سألتك بالله اصدقني , فقال : يا أمير المؤمنين ذقت حلاوة الدنيا فوجدتها مرة , وصغر عندي زهرتها وحلاوتها واستوى عندي ذهبها وحجرها , وكأني أنظر الى عرض ربي , والناس يساقون الى الجنة والنار , فأظمأت لذلك نهاري , وأسهرت ليلي , وقليل حقير كل ما أنا فيه في جنب ثواب الله وعقابه ) معاني عظيمة يحملها اهل التقوى والصلاح عند معاملتهم مع ربهم ومهما قدموا في جنب الله يجدونه قليلا ويجدون الكرامة والعزة بالقرب من الله يروى أن الأسود بن زيد كان يجتهد في العبادة , ويصوم في الحر حتى يخضر جسده ويصفر , فكان علقمة بن الأسود يقول له : لم تعذب نفسك ؟ فيقول : كرامتها أريد , ولم يقتصر الحال على الرجال بل كان موقف النساء اشد واقوى حيث سطرن لنا صفحات مشرقة تكتب بمداد الذهب فهذه رابعة العدوية يأتيها رجل في يوم من الأيام بأربعين دينارا , وقال لها استعيني بها على بعض حوائجك , فبكت ورفعت رأسها الى السماء , وقالت : هو يعلم أني أستحي منه أن أسأله الدنيا وهو يملكها , فكيف آخذها ممن لا يملكها ؟ , وكانت حبيبة العدوية اذا صلت العتمة قامت على سطح فشدت عليها درعها , وخمارها , فقالت : إلهي , غارت النجوم , ونامت العيون , وغلقت الملوك أبوابها ,وبابك مفتوح , وخلا كل حبيب بحبيبه , وهذا مقامي بين يديك , فإذا كان السحر قالت : اللهم هذا الليل قد أدبر , والنهار قد أسفر , فليت شعري , هل قبلت مني ليلتي فأهنأ , أم رددتها علي فأعزى ؟  ويستدل من ذلك أن للمتقين مقام لا ينافسهم فيه الا من سار على خطاهم ومقامهم  ومن غايات الصوم  العديدة , ولكنها لا تقتصر على ما يرفع الدرجات عند رب الارباب من عبادات الا في معناها الواسع وهو كل ما يحبه ويرضاه ويشمل ما يحبه الله ويرضاه المعاملات والأخلاق لذا قال رسول الله عن الصوم (اذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل , فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل : إني صائم إني صائم ) وهذا التوجيه النبوي للصائمين يروضهم ترويضا يجعلهم على المحجة البيضاء ويسلكون الصراط السوي فتجدهم لا يتكلمون الكلام الفاحش ولا يفعلون شيئا من اعمال الجهال كالصياح , والسفه , ويزيدون على ذلك أنهم يصبرون على سفه السفهاء لذا قال الحبيب ( فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم ) ولا يقوى على ذلك الا المتقين الذين لهم حظ عظيم عند ربهم لقوله تعالى ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم ) فأهل التقوى والصلاح هم الذين يضعون نصب اعينهم من بداية رمضان أن رمضان موسم لتكفير الذنوب لذا لا يدعون سبيلا من سبل الخير والطاعات الا سلكوه ولا باب من أبواب المراقبة الجادة لأعمالهم الا ولجوه مستدلين بذلك ما جاء عن رسول الله أنه طلب من أصحابه أن يحضروا له المنبر فلما ارتقى درجة قال ( آمين ) فلما ارتقى الثانية قال ( آمين ) فلما ارتقى الثالثة قال ( آمين ) فلما نزل قالوا له : يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه , قال ( إن جبريل عرض لي فقال بعد ( عن الجنة ) من ادرك رمضان , فلم يغفر له , فقلت :  آمين  ,فلما ترقيت الثانية قال : بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك , فقلت : آمين , فلما ترقيت الثالثة قال : بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة, فقلت : آمين ) أيها الصائم صم صوم المتقين ووسع جهدك حتى تكون من عتقاء الله من النار , وحتى تكون من أهل الجنة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *