الأسرة
الشيخ رشاد أبو الهيجاء
إمام مسجد الجرينة ومأذون حيفا الشرعي
لا شك بأننا نرى بالأسرة الأمل الوحيد الذي يمكنه أن يؤثر إيجابا وسلبا على نظام الحياة في أي مجتمع كان , لان الاسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع وبقدر ما تكون الاسرة قوية ومحافظة على القيم والأخلاق وحسن التربية يكون المجتمع الذي نطمع أن نعيش في ظله ومن هذا المنطلق نعطي الاسرة الاهتمام العظيم لدورها الكبير في بناء المجتمع والأمة واستمرار الحياة البشرية على الأرض لذا دعانا ربنا وحثنا على حمايتها فقال ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) والأسرة التي تقوم بدورها تخدم نفسها وذريتها في الدارين , الحياة الدنيا والحياة الآخرة لذا أمر ربنا الآباء على حسن تربية أبنائهم فقال مخاطبهم ( يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) فمن حمى ذريته من الانحراف وعمل على أن تكون الاسرة المكونة من الأبناء والآباء كالجسد الواحد فذريته تقوم على رعايته في الكبر طاعة لربها الآمر ( وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا * اما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما *واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) وبعد مفارقة الآباء للحياة الدنيا يقف الابن البار بين يدي ربه يدعوه ليغفر لوالديه وان يكرم نزلهما في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية , أو علم ينتفع به , أو ولد صالح يدعو له ) وإذا لحق بهما تكون التربية الحسنة سببا من أسباب نعيم الجنة لأنهم قالوا وعملوا على أن تكون ذريتهم مصدر سعادتهم كما قال ربنا ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ) فيجمع الله بينهم في الآخرة في مقعد صدق عند مليك مقتدر قال تعالى ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ) وحتى تكون عندنا اسرة متينة متماسكة يجتمع افرادها مع بعض على الخير والمحبة والرحمة لا بد أن تؤسس على قواعد متينة وفي مقدمتها الاختيار السليم القائم على تقوى الله وخشيته وبمعنى آخر على أساس الدين لذا قال رسول الله ( تنكح المرأة لأربع , لمالها , ولحسبها , ولجمالها , ولدينها , فاظفر بذات الدين تربت يداك ) ويفهم ان غايات الناس في اختيار الزوجة اربع غايات , المال والجمال والحسب والدين ولكن أقواها وأمتنها الدين , لأن من يخشى ربه يبقى مخلصا لشريك حياته مهما تغيرت الأحوال , ولو جمع المرء بين الدين وهذه الغايات فذلك خير على خير , والاختيار الحسن يكون واجبا على الرجال والنساء لذا قال رسول الله ( اذا خطب اليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه , إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض , وفساد عريض ) وحذر الرسول من أن يكون الاختيار فقط على أساس المال او الجمال او الحسب فقال كما عند ابن ماجة ( لا تزوجوا النساء لحسنهن , فعسى حسنهن أن يرديهن , ولا تزوجوهن لأموالهن , فعسى أموالهم أ تطغينهن , ولكن تزوجوهن على الدين , ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل ) أما الأساس الثاني الذي يجب أن تتميز به الاسرة هو الحقوق والواجبات لكل واحد وهذه القاعدة يجب أن ترسخ في عقل كل من يقدم على الزواج من الرجال والنساء حيث يجب أن يعرف كل واحد ما له وما عليه مما يساهم مساهمة جادة في بقاء المودة والرحمة والمحبة بين الزوجين ومنها النفقة التي هي واجبة على الزوج قال تعالى ( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه وزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا ) ولذا أجاز الشرع للمرأة أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وعيالها من نفقة ولو بدون علم زوجها فعن عائشة قالت : جاءت هند الى النبي فقالت : يا رسول الله : إن أبا سفيان رجل شحيح , لا يعطيني ما يكفيني وولدي , إلا ما أخذت من ماله وهو لا يعلم , فقال : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف )وهنا لا بد من التنبيه الى قضية يحاول البعض الطعن من خلالها للجهل الذي هم عليه حيث يقول البعض أن الدين يعطي القوامة للرجال على النساء دون أن يعلموا شيء من قوله تعالى ليدركوا أن القوامة ليست تشريفا انما هي تكليف تحول الرجل الى قائم على حقوق اهله من زوجة وأولاد قال تعالى ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) فالقوامة لا تعطي الحق للزوج الحق في التسلط على زوجته واذلالها والتقليل من كرامتها كما يعتقد بعض الجهلة وإلا كيف يمكن ان نفسر مشورة رسول الله لزوجته أم سلمة يوم الحديبية إذ جنبت المسلمين حربا كان بإمكانها أن تحرق الأخضر واليابس وهذا ينقلنا الى أساس آخر تقوم عليه الاسرة الا وهو أساس المودة والرحمة قال تعالى ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) وقال ( وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) وقد كان رسول الله يمازح ويلاطف أهل بيته ويساهم مع أهل بيته في شئون البيت




