الإنسانية المنشودة
الشيخ رشاد أبو الهيجاء
إمام مسجد الجرينة ومأذون حيفا الشرعي
تكثر الشكاوى والطعن بصلاحية الرسائل السماوية في زماننا بحجة أن الواقع الذي يعيشه العالم بشكل عام والمجتمعات العربية بشكل خاص مؤلم جدا , ويتجرأ البعض بأن ينسب هذا الواقع الى الرسالات السماوية ويتهمها بأنها تدعو الى الرجعية والهمجية والى الإنغلاق والجهل ولا أقول هذا إلا لأن أحدهم تجرأ وقال هذه الكلمات وهو بقناعة تامة,ولا يسعني في هذا المقام الا أن أبين كيف رساله الإسلام بنت حضارة ورسخت مفاهيم جديدة ألغت كل الفكر الجاهلي وابدلته بفكر جديد وعادات جديدة ومفهوم للحياة يصلح لكل زمان ومكان وما يقال عن رسالة الإسلام يقال عن كل الرسالات السماوية وحتى نحكم على رسالة النبي علينا معرفة المصدر الذي يجب علينا الأخذ منه , ومن أهم مصادر التشريع في الإسلام القرآن والسنة والسيرة النبوية , وهنا لا بد من التنويه أن السنة والسيرة منها ما هو صحيح ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع وهناك درجات ما بين هذه الدرجات لذا عند مطالعة السنة والسيرة يجب معرفة كيفية الحكم على الحديث الذي بين أيدينا أو نريد الاحتجاج به ولذا تعالوا بنا لننظر بنظرات سريعة توافق المقام كيف أن الدين كان عاملا في بناء حضارة راقية يتنعم بهذه الحضارة كل إنسان يحترم نفسه ويحترم إنسانية الناس وفي المقدمة أن الدين يحترم ويكرم الانسان دون تمييز بلون او جنس أو معتقد قال تعالى ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) وهذا بيان واضح أن كل ذرية آدم عليه السلام كرمها الله رب العالمين ولا يمكن القول بأي حال من الأحوال أن فلان ليس من ذرية آدم حتى وإن كان يعتقد هو بنفسه أن أصل وجوده غير ذلك , يعتقد أنه تطور مع الزمن حتى اصبح قردا ومن بعد ذلك تطور ليصبح انسانا فنحن لأننا ننظر الى الانسان ونضعه في مكانه المناسب الذي يوافق التكريم الإلاهي لا نقبل بغير أن الله رب العالمين خلقه ونفخ فيه من روحه ليصبح انسانا كما شاء الله وبالصورة التي أرادها ربنا , ثم أن ربنا أراد لهذا الإنسان أن يندمج بمن حوله من الشعوب والقبائل التي تكونت فقال ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وهذا فيه تأكيد على تكريم الله للإنسان حيث جعله متحرك ومنفتح على الشعوب والقبائل التي تختلف عنه في عاداته ومعتقده ومنهج حياته وفي ذلك يكون تبادل الحضارات بين هذه الشعوب والقبائل وكل ذلك وأكثر أراد الدين لذا نطق رسول الله فقال ( يا أيها الناس إن ربكم واحد , وإن أباكم واحد , ألا لا فضل لعربي على عجمي , ولا لعجمي على عربي , ولا لأحمر على أسود , ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى , إن أكرمكم عند الله أتقاكم , ألا هل بلغت ؟ قالوا : بلى يا رسول الله , قال : فليبلغ الشاهد منكم الغائب ) ويستدل من ( فليبلغ الشاهد منكم الغائب ) أنه يوصي بهذه الصورة الحضارية التي تلغي التمييز العنصري الى أن تقوم الساعة , والواقع اليوم في ظل تحدي الفكر والمعتقد السماوي وطرح البديل له يقول أن العنصرية والتطرف وكل مظاهر الطغيان سادت بعد أن الغي قول السماء واستبدل بغيرة من أفكار البشر وهنا نؤكد أن من مظاهر الحضارة التي ندعو اليها عدم اكراه الناس على ما نعتقده ونؤمن به ولا نقول هذا مدارة للبشر إنما نقوله استجابة لرب البشر القائل ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) والقائل ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) والقائل ( لا إكراه في الدين ) والقائل (| ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) والقائل ( فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر ) أليس في كل هذه الآيات دليل قاطع أن الحضارة التي ندعوا اليها تضمن لجميع الناس حرية الاعتقاد وحق الانسان بالحياة الكريمة لذا لخص ربنا غاية مبعث الرسول فقال ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) وقد برز هذا الخلق النبوي الذي نريده السائد في حياتنا من خلال تعامل الرسول مع الناس وخاصة الضعفاء , يروى أن المرأة كانت تأتي لرسول الله وتقول له أريد أن اكلمك بمعنى أن تشتكي أو تستفسر فكان يقول لها ( اجلسي بأي سكك المدينة أجلس اليك ) فلم يكن يتكبر ولا يستعلي حتى على الفتاة الصغيرة التي كانت تأخذ بيده ليقضي لها حاجتها وهذا الذي علمه أصحابه وتربوا عليه يروى أنه لما عاد الصحابة من الحبشة من عند النجاشي قال لهم رسول الله ( ألا تحدثوني بأعجب ما رأيتم بأرض الحبشة ؟ قال فتية منهم : بلى , يا رسول الله , بينا نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهبانهم , تحمل على رأسها قلة من ماء فمرت بفتى منهم فجعل احدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها فانكسرت كلتها , فلما ارتفعت التفتت اليه فقالت : سوف تعلم يا غدر إذا وضع الكرسي وجمع الأولين والآخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما يكسبون فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا . عندها قال رسول الله ( صدقت , صدقت كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم ) وحضارتنا التي نريد تطال البشر والحجر والدواب فقد بين رسولنا الكريم ( دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض )وبين ان الله غفر لامرأة عاصية مرت بكلب على رأس ركي يلهث كاد يقتله العطش فنزعت خفها فأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فغفر لها بذلك




