مجدداً أخطأ يونا ياهف حينما اطلق لذهنه العنان، فتفتق عن فكرة، اثخنته فرحاً وغبطةً حتى ضاق صدره، فارسل بهمهمته الى وسائل الاعلام، واندفع يهدهد ويهدر بكلمتي يوريكا يوريكا. ولكن شتان ما بين العريّ الجسدي لعالم استفادت من اكتشافاته البشرية، والعريّ الاخلاقي والسياسي والانساني القميء لياهف.
ريمون كاردو
تتلخص فكرة ياهف, كما جاءت في رسالته لوزير الحربية التي نشرتها وسائل الاعلام في تحويل سفينة الحرية مرمرة الى فندق عائم. والبلادة الانسانية لا تؤلم العنصري ولا تهزه، تماماً كما ان الجرح لا يؤلم الميت. لذلك فليس غريباً ان يستلّ ريشته المتصلبة من شدة ما علقت بها من الادران ليزخرف فكرته, بالكلام التالي:
" انني اعتقد ان مدينة حيفا بالذات, وهي مدينة نموذج للتعايش والعيشة المشتركة لكل الاديان، ستكون نزلاً ملائماً لهذه السفينة والتي ستصبح رمزاً عالمياً للمصالحة والامل."
رداً على فكرة ياهف نكتب الملاحظات التالية:
• العنصرية المقيتة المنفلتة من عقال الذكاء او الحنكة، تبانُ بوضوح جليّ حينما تلتئم مع الأنا الطاؤوسية المغرورة.
وياهف يتعثر ويتعرى دون ان يكلف نفساً عناء الكشف عن حقيقته، وقد تصلح ثرثرته وافكاره واندفاعاته الهوجاء، لان تعرض كملهاة سوداء على خشبة المسارح، ولكنها لن تكون الا نقاطاً قاتمة في حاضر وتاريخ هذه المدينة الغالية.
•على متن سفينة مرمرة, نفذت القوات الاسرائيلية مجزرة حصدت ارواح تسعة من المدنيين، اضافة للجرحى. ولمرمرة مكانة ومنزلة في وجدان وافئدة ومشاعر الاهالي الثكالى, والجرحى, والمعتقلين، وانصار الحرية والفلسطينيين. والانسانية مهما بهتت او وهنت تأبى على نفسها ان تتجاهل تلك المشاعر, وهي في اقل تقدير تطالب برد تلك السفينة لعوائل الشهداء, والاعتذار لهم.
تمتعاً بالبلادة الانسانية يقترح ياهف أن يشيد فندقه السياحي العائم فوق انقاض تلك المأساة، والتاريخ القريب يحفل بامثال ياهف. كل عاقل يتوقع من من يدعي انه رجل سلام وتعايش أن يقترح إقامة نصبا تذكاريا لضحايا المجزرة الرهيبة, وليس الرقص على دماء الشهداء.
• سقطت وستسقط فكرة ياهف برداً وسلاماً ورذاذاً على رؤوس العنصريين, فالذي يجيز لنفسه ان ينكأ جرح مرمرة, يحلل ويشرعن للآخرين في العالم ان يحذوا حذو النعل بالنعل, مع مآسيه. لم تكن العنصرية في أي يوم من الايام سياجاً او حصناً لاية قومية, بل مجلبة للويلات عليها.
• لسنا ممن يتربص بياهف, ولم نكلفه ادانة مجزرة مرمرة, ولكننا توخينا ان تحيطه الحنكة برعايتها, فتلجم لسانه عن الهذر والهذيان. واذا كان الكلام لدى ياهف خير من الصمت, فمن المفيد ان يدرك بان حاجة الكلام الى ذهن اشد من حاجة الصمت اليه.
ان الحصار الاسرائيلي لغزة هو الارهاب, واس الشرور, ومرمرة وسائر السفن لم تأت من الفراغ بل رداً على ذاك الحصار الغاشم. ان النضال ضد الحصار هو واجب انساني ,اخلاقي ,ويصب في مصلحة شعبي البلاد.
لياهف نقول بان رموز التسامح والازدهار لا تشييد على مستنقع الاحتلال الاسرائيلي للضفة والقدس الشرقية, والحصار على غزة, والتنكر لحقوق اللاجئين. لا يناهض ياهف الواقع ولا يسعى الى تغييره, لذلك ومن باب التحايل الاستعلائي على الضحية والتمظهر بمظهر رجل السلام والتعايش, يلجأ الى اتخامها وهماً وخيالاً بمعسول الكلام الانساني, وكأن الضحية من السذاجة لان ترضى بالتخمة الانسانية الوهمية, بدلاً عن تغيير واقعها اللانساني.
ارجاع حقوق الفلسطينيين أولاً, وتالياً تشييد رموز التسامح والامل.
• تشرعن رسالة ثانية لياهف نزع الحقوق عن النائبة حنين زعبي, والرسالة تتمادى في غيها لتحمل زعبي وزر سقوط الضحايا. نعتبر هذه الرسالة مساً خطيراً للحقوق الديمقراطية , وندينها.
من حقنا وواجبنا أن نقلق على مستقبل جماهير حيفا بكافة مركباتها, في ظل مواقف رئيس البلدية. ونحن في الحزب الشيوعي والجبهة نطالبه بالتراجع عنها.
ان مواقف رئيس البلدية قد ازالت الفوارق الوهمية أو الحقيقية مع غلاة اليمين, ولتذكيره فان تلك الفوارق هي التي حسمت في حينه تصويت الجماهير العربية.
ولتذكيره أيضاً نقول بان تلك الاصوات اسوة بأصوات القوى اليدمقراطية اليهودية هي التي اقعدته ذاك المقعد, رئاسة البلدية.
• يظن ياهف بانه يحتكر كلمة التعايش فهماً وتطبيقاً, ولا يمس ياهف بكلمة التعايش, دون ان تنتفض اناه الطاؤوسية المزهوة, ولسان حاله يقول انا التعايش والتعايش انا.
جلالة "رجل" التعايش لا يقبل النقد, ولا يضيره ان كافة القوى الوطنية الفاعلة في الوسط العربي لا ترى فيه مدافعا عن التعايش, وياهف لا يجد تناقضاً في تنصيب نائبة "ترنسفرية" له وفي دعوة رجل الحرب والعدوان موفاز لوادي النسناس مع مفهوم التعايش, وبالنسبة اليه فان ارقام الميزانيات وجدول الاعمال المجحفة بحق الجماهير العربية ليست ذات شأن بالنسبة للتعايش.
لا يمت التعايش بالنسبة لياهف لاي معيار أو مقياس, فالتعايش بملة واعتقاد ياهف موجود بوجوده, وكفى المناضلين شر النضال.
وشر البلية ما يضحك