بعد أن انتهينا من تعريف القراء على أهم المواقع الأثرية في مدينة حيفا, كنا قد بدأنا سلسلة المقالات للمواقع الأُثرية الموجودة خارج المدينة وتحيط بها. وأول المواقع التي بدأنا عرض أهم المكتشفات فيها كانت الحفريات الأثرية من عام 2006 في عتليت المتواجدة 30 كم إلى الجنوب من حيفا. في هذه الأسطر القليلة سوف نحاول عرض لمحة عامة عن الموقع, آثاره وأهم الحفريات الأثرية.
(1)(1).jpg)
لمحة عامة:
لم يذكر أسم "عتليت" في التوراة (على العكس من مواقع هامة أخرى في المنطقة), إلا أن البعض من الباحثين يميل إلى الاعتقاد بان عتليت الأثرية هي المدينة القديمة "قرته" التي ذكرت في التوراة: "ولعشائر بني مراري اللاويين الباقين من سبط زبولون يقنعام ومسرحها وقرته ومسرحها" (يوشوع الأصحاح 21: 24-25). ويرتكز هذا الاعتقاد استنادا إلى أن قسم من الموقع سمي في الفترة الرومانية "Certha" كما يبدو من الاسم الفينيقي "قرتة". احتمال آخر يرجح إلى أن الموقع القديم في عتليت هو المستوطنة "آدار" التي كانت تابعة لمدينة صيدا, أو كما يدعي البعض الآخر بان هنا كانت المستوطنة القديمة "صرفتا" التابعة إلى "صور" والتي تذكر في كتابات الرحالة اليوناني "سكيلاكس" ابن القرن الرابع ق.م الذي يذكر المستوطنة الموجودة بين حيفا والطنطورة. ويستند مؤيدو هذه الفكرة إلى وجود القبور الفينيقية التي عثر عليها خلال التنقيبات في الموقع.

خلال الفترة الرومانية سمي الموقع Adarus او Bucolon Polis وكان ضمن الحدود التابعة الى ميناء "دور" (الطنطورة). منذ القرن الرابع ميلادي تم انتزاع الموقع من المقاطعة الفينيقية وضمه الى مقاطعة "Palestina Prima", حيث كان الحد بين المقاطعتين يمر في مدينة "Mutatio Certha" التي تذكر لأول مرة عند الرحالة من بوردة خلال القرن الرابع م.
الى الشرق من القلعة الصليبية يقع الموقع الأثري المسمى "خربة دوستري" نسبة للاسم من الفترة الصليبية Le Destroit والتي من أبرز آثارها القناة المنحوتة بالصخر بمنطقة "باب العجل" (سمي بهذا الاسم نسبة لآثار عجل المركبات التي لا تزال بارزة بالموقع).
القلعة التي تبرز آثارها حتى أيامنا على شبه الجزيرة الصغيرة, بناها الصليبيون عام 1218 م أبان الحملة الصليبية الخامسة وسمية القلعة آنذاك "قلعة الحجاج" نسبة إلى الحجاج الذين ساهموا في بنائها. هجر الموقع عام 1291 بعد سقوط عكا وعلى الرغم من هدم أجزاء كبيرة منه إلا انه لا زال بارزا حتى أيامنا مما يدل علة كبر وعظمة الموقع المعمارية.
.jpg)
الحفريات الأثرية:
الحفريات الأولى بالموقع أجراها الباحث "جونس" بين الأعوام 1930 – 1935 من قبل وحدة الآثار التابعة لحكومة الانتداب البريطاني. في تلك الفترة منطقة القلعة كانت مأهولة بالسكان, لذلك ارتكزت الحفريات بمنطقة الأسوار الشرقية والمستوطنة القديمة إلى الجنوب حيث تم العثور على آثار استيطان منذ عصر البرونز الأوسط استمرارا حتى الفترة البيزنطية.
عام 1978 أجرى الباحث البروفسور "أبراهم رونين" المسح الأثري بالمنطقة بالتعاون مع أبراهم عولامي. المسح الأثري عام 2002 بأدارة موطي هيمان من سلطة الآثار أجري على التلة الجنوبية للقلعة والتي كانت معدة للبناء. حفريات أضافية أجرتها سلطة الآثار عام 2006 (والتي تم النشر عنها مسبقا في مقال سابق).
إلى جانب تلك الحفريات أجريت العديد من الأبحاث والحفريات المائية نذكر منها حفريات جامعة حيفا في الميناء الفينيقي عام 1976 وعام 2002
.jpg)
نتائج الحفريات:
دلت الحفريات على وجود ثلاث طبقات أثرية في التل المتواجد الى الجنوب الشرقي من القلعة: على عمق 4 أمتار الطبقة من الفترة الكنعانية (1750-1400 ق.م), الطبقة الثانية من الفترات الفارسية والهيلانية (القرن السادس – الرابع ق.م) تشمل آثار المباني السكنية وأدوات الفخار للاستعمال اليومي. أما الطبقة الثالثة فشملت آثار المباني من الفترة الصليبية.
إضافة إلى الآثار بمنطقة التل, تتواجد العديد من المكتشفات الهامة من بينها: القلعة التي هدم القسم الكبير منها خلال الحصار على الموقع عام 1220. كما يبدو من الآثار البارزة فأن أبراج الحراسة زاد ارتفاعها عن 20 م خلال الفترة الصليبية. من الجهة الداخلية لأسوار القاعة تواجد 18 إسطبلا للخيول والدواب.
الكنيسة من الفترة الصليبية تواجدت بالملاصقة إلى السور الشرقي للموقع منها تبقى البعض من المقاعد المنحوتة من الحجر في القاعة المركزية والقسم من الحائط الغربي. كنائس مشابهة عثر عليها في قبرص.
.jpg)
تحت الماء:
تشير الحفريات والبحوث المائية, بان الميناء الفينيقي هو أحادي الطبقة أي, لم يبنى عليه ميناء آخر في فترات مختلفة. وقد دلت الحفريات على أن كاسر الأمواج الشرقي بني على عمق 2.2 م تحت سطح الماء من حجارة كبيرة ملساء. بين الحجارة عثر على بقايا خشب من شجر الزيتون والأرز. ألواح الخشب هذه, ساهم على دعم الحجارة التي منها بني كاسر الأمواج. وقد دلت نتائج الفحوصات لكربون 14 من هذه الألواح الخشبية, أن تاريخها يعود إلى نهاية القرن 9 وبداية القرن 8 ق.م.
من بين المكتشفات الأخرى تحت الماء يجدر الذكر: أولا السفينة الفينيقية عثر عليها الى الجنوب من القلعة ومن بين المكتشفات عليها: أدوات من المعدن (البرونز والنحاس), موازين من النحاس على شكل البط, أجزاء من أثاث ملكي, كما أن جزأ من خشب السفينة حفظ بحال جيد.
أما الاكتشاف الثاني الهام تحت الماء فتواجد إلى الشمال من المقبرة الصليبية, حيث عثر على مقدمة سفينة حربية يونانية, منها تبقى الخرطوم المصنوع من البرونز. دلت نتائج الكربون 14 على أن تاريخ السفينة يعود إلى القرن الرابع ق.م.
.jpg)
.jpg)




