ما تبقى من حي وادي الصليب! تقرير وتصوير سليم أبو جبل

مراسل حيفا نت | 10/04/2010

عند المرور مقابل حي وادي الصليب في حيفا، تُشاهد عن بعد تلك البيوت العربية الجميلة والتي تبدو بأسوأ حال، عند دخولي إلى الحي لأجل رؤية البيوت عن قرب، أشعر وكأنني في مدينة أشباح، بعض البيوت مهدمة، والبيوت الصالحة أغلقت نوافذها وأبوابها بالطوب، وقد كتب على مدخل البيوت:"منطقة خطرة، ممنوع الدخول". هذا دير اللاتين، وهذا بيت عائلة جرّار، وهذا بيت عبد الرحمن الحاج.. في الليل يكون التجوال في الحي أكثر خطورة، فهو مكان مثالي للمدمنين على المخدرات واللصوص .
تحولت حيفا إلى بلدية في عام 1875 على يد مصطفى باشا خليل، بيته لا يزال قائمًا إلى اليوم، تحول فيما بعد إلى مسرح وادي الصليب، وبجانبه حمام الباشا الذي تحول إلى ملهى ليلي.

بُني وادي الصليب في فترة العشرينات من القرن العشرين، ويظهر من البيوت الباقية أن الأبنية الجميلة تقع في المنطقة العليا، حيث بنى التجار بيوتهم. بينما يظهر من شكل المباني في المنطقة التحتا، ومن نوع الحجارة وتصميم البيوت أنها كانت لعمال الميناء والعتالين.
التسمية: حسب د. جوني منصور:"سُمي وادي الصليب بهذا الاسم بسبب تقاطع واديين في مكان واحد، وهو ما يشكل صورة الصليب"،واعتمادًا على الفرضية ، فإن تم تجريد الوادي من بيوته فمن الممكن حينها رؤية التقاء الواديين."

 

ليلة احتلال حيفا
بدأت الهجرات اليهودية إلى فلسطين في عام 1871، وبدأ اليهود يستوطنون حيفا تدريجيًا. في سنوات الأربعين كانت الخطة لاحتلال حيفا جاهزة في بيت الهاجانا. وبعد سقوط حيفا في 22 نيسان في أيدي قوات الهاجانا، بدأت القوات اليهودية بإفراغ السكان العرب في سفن تتجه إلى عكا ومن ثم إلى لبنان. تهجر أهالي حي وادي الصليب وعددهم يقترب من 10 آلاف ساكن معظمهم من العمال إلى مخيم جنين وسوريا، وذلك بسبب الخطة التي قضت بأن تبقى الجهة الشرقية مفتوحة بينما تحاصر القوات اليهودية الحي من الشمال والغرب. فليس أمام السكان في هذه الحالة وهم الأقرب إلى الميناء سوى الرحيل بواسطة السفن أو السير نحو الشرق!
مذكرات لاجيء
"بعد الظهر ستذهب أمي إلى ساحة الحناطير في حيفا فتجلب حنطورًا وتضع البحر فيه، وتحمله إلي، هنا، في المخيم، ستضع البحر وراء منجرة الأستاذ قاسم شريفة. وتتركه لي ساعات لأسبح وأستحمّ ثم تعيده مساء إلى حيفا."
يتذكر الكاتب والشاعر أحمد دحبور، حين كان صبيًا في مخيم لاجئين قرب مدينة حمص في سوريا، إنه مثال حي على ذاكرة الكثيرين من المهجرين أبناء حيفا. ويحكي أحمد دحبور قصته مع وادي الصليب:"ورثتُ اسم هذا الطفل الذي يبدو أن أمي كانت متعلقة به على نحو غريب – كان اسمه أحمد- وقد سمعتُ أبي مرارًا يقول أن أمي ذهبت في ليلة مجنونة إلى المقبرة لتستخرج فلذة كبدها من التراب. وكان يحاول أن يعزيها عبثاً بكلام من نوع: هذه إرادة الله، أخذ أحمد وسيعطينا أحمد آخر… وقد زاد من لوعة أمي أن أحمد مات محترقاً داخل بيتنا القديم في وادي الصليب. وانتقلت الأسرة بعد ذلك إلى وادي النسناس حيث ولدتُ أنا…"

سكان الحي اليهود ينتفضون
بعد إفراغ الحي من سكانه العرب تم جلب عدد كبير من اليهود اللذين جاؤوا من شمال أفريقيا، أغلبيتهم من اليهود المغاربة، وكان بين سكان الحي الجدد بعض العائلات الرومانية، ووصل عددهم إلى 15 ألف. هذا العدد الكبير شكل اكتظاظًا سكانيًا. كان بينهم عدد كبير من العاطلين عن العمل، عانوا من الإهمال وعدم اهتمام السلطات الإسرائيلية بهم. وكانت الشرطة في وقتها تستغلهم في مواجهة المظاهرات التي كان يقودها الحزب الشيوعي في سنوات الخمسين، إلا أن وقعت الحادثة التي جعلتهم يدركون أن الاضطهاد والاستغلال يحلّ عليهم أيضًا. ففي عام 1959 وقع الانفجار العنيف الأول على خلفية عرقية داخل المجتمع اليهودي، ولم يكن هذا الانفجار سوى ما سمي فيما بعد "اضطرابات وادي الصليب".
وقعت الحادثة في الثامن من شهر تموز عام 1959 حين قام شرطي بإطلاق النار على أحد سكان الحي الذي كان سكرانًا، وأصابه في رجله. على أثر ذلك قام 200 من سكان الحي بالهجوم على رجال الشرطة وحاصروهم في سيارتهم. وفي اليوم التالي بدأت المظاهرات، واقتحمت الشرطة الحي وبدأت باعتقال العشرات من النشطاء بينهم قائد التمرد دافيد بن هاروش.

ضابط الشرطة المسؤول في المدينة وصل إلى حارة وادي الصليب وعمل على تهدئة الوضع، لكن أنباء كاذبة عن موت المصاب في اليوم التالي أثارت سكان الحي، فهاجم عدد كبير منهم منطقتي الهدار والكرمل، رموا الحجارة على البيوت، وسرقوا الحوانيت وحرقوا السيارات. في الأيام التالية حدثت اضطرابات مشابهة في طبريا وبئر السبع. وآثار الأمر الجالية اليهودية في المغرب، وعبّر ملك المغرب محمد الخامس عن قلقه على رعايا بلده من اليهود المهاجرين إلى إسرائيل!
تخوفت السلطات من انتشار التمرد على مدن أخرى يسكنها اليهود الشرقيين، على أثر ذلك قامت على إحداث بعض الإصلاحات، من بينها دفع مبالغ للعائلات كثيرة الأولاد. وبدأت خطة إفراغ السكان من الحي حتى أن أفرغ كليًا في عام 1962، وهكذا تم إفراغ وادي الصليب من السكان للمرة الثانية بشكل مخطّط، ونقل سكان الحي اليهود إلى بيوت بديلة في حيفا. وبقيت بعض العائلات العربية تسكن الحي حتى بداية عقد السبعينات.
مشاريع للفنانين اليهود
تقدمت دائرة أراضي إسرائيل بمناقصة استهدفت السيطرة على حي وادي الصليب بدعوى "تطوير المنطقة" وإقامة حي للفنانين، وعرضت المناقصة مساحة قدرها 55 دونمًا للبيع. لجنة التنظيم والبناء المحلية في بلدية حيفا تبنت جزء من هذا المخطط. ويقع هذا الجزء المعروض للبيع بين ثلاثة شوارع هي:ستانتون "شيفات تسيون"، البرج "معاليه هشحرور"، وشارع عمر بن الخطاب.
يهدف المخطط إلى هدم عدد من المباني، ويحل مكانها مكاتب، صالات فنون، وورشات لفنانين. ومن المعروف أن البيوت والأملاك في حي وادي الصليب تدار حسب "قانون أملاك الغائبين". في المخطط الذي تقف من وراءه المناقصة لم يشر إلى إمكانية تعويض أصحاب البيوت العرب الأصليين، بأي شكل من الأشكال.

تابع "مركز عدالة" في حينه الموضوع من خلال مكاتبات واستفسارات قانونية. وجاء على لسان المحامية سهاد بشارة من عدالة:"تجري في إطار هذا القانون الكثير من صفقات الجملة والتي جرى بحسبها تحويل أملاك من الوصي على أملاك الغائبين إلى طرف ثالث، مثل سلطة التطوير. وينصّ قانون أملاك الغائبين على أن كلّ حقوق الغائب تتحول للوصي. وهو يشكّل حسب هذا الإجراء المالك الوحيد".
أحلام رئيس البلدية
في أعقاب زيارة سفير كرواتيا مكتب التجارة والصناعة في حيفا والشمال، طلب رئيس بلدية حيفا يونا ياهف من سفير كرواتيا مساعدته بإحضار مختصين كرواتيين، ليقوموا بإعادة ترميم حي وادي الصليب بناءً على خبرتهم في هذا المجال عقب الحرب التي شهدتها يوغوسلافيا. ويقول ياهف إنه أعجب بالعمل المتقن الذي قام به الكرواتيون لإعادة ترميم بيوت كالتي في وادي الصليب.
الترميم الذي ينوي ياهف البدء به بأي وقت يصبّ هو الآخر في ذات المخطط، الذي يهدف إلى تحويل حي وادي الصليب إلى منطقة خاصة برجال الأعمال ومكاتب في البيوت القريبة من الشوارع الرئيسية التي تحيط بالحي. وتحديد منطقة لبناء "حي الفنانين."
حوار مفتوح
خلال جولتي في وادي الصليب دخلت أحد البيوت المهجورة كانت النوافذ مسدودة بالطوب وكذلك الغرف الأخرى. وحال خروجي من البيت صادفتني امرأة يهودية عجوز:
– ماذا تفعل هنا؟
– بيت جميل، أليس خسارة أن تبقى هذه البيوت مهملة هكذا؟
– أنا أسكن هنا في البيت المجاور… منذ سبعين سنة، الآن يبنون فوق بيتي، جاء أحدهم واشترى السطح ويبني الآن مكاتب، لقد اشترى السطح من العميدار.
– هل كل البيوت للعميدار؟
– نعم فإن كنت تريد بيت فيمكنك أن تذهب لهناك وتشتري.
– وبعدها يمكنني هدم هذا البيت والبناء مكانه بيت جديد؟
– لا يمكنك هدمه. عليك تصليحه وإبقاءه، يريدون الحفاظ على طابع الحي.
– بيوت جميله فعلا، هل كل واحد يستطيع أن يذهب ويشتري؟
– نعم كل واحد شرط أن يكون يهودي، لا يبيعون للعرب، أنت عربي أم يهودي؟
– لماذا لا يبيعون للعرب؟
– لأن العرب حين يدخلون للبيت لا يخرجون منه بعد ذلك، إن كنت يهوديًا يمكنك شراء أي بيت تريد. لقد جاء هذا الملعون الذي يملك الدولارات، واشترى سطح بيتي، لقد ارتكبت غلطه ولم أشتريه، ولكن ما العمل لم أكن أملك المال الكافي.
– إذن.. أنت هنا منذ زمن طويل؟

– نعم..  قبل قيام الدولة
– هل تذكرين العرب الذين كانوا هنا؟
– كلهم هربوا إلى لبنان.
– وهل تتذكرين تمرد اليهود المغاربة بقيادة دافيد بن هاروش؟
– نعم، لكن لم يبق أحدًا هنا، لا يريد أحد أن يسكن في بيوت قديمه كهذه.

هل نعلن وفاة حي وادي الصليب العربي؟
قد لا يبقى شيئ من حي وادي الصليب بشكله الحالي فلا يجد أحمد دحبور، أو أمثاله من الحالمين بالعودة إلى حيفا العربية ما يزورونه. بيت عائلة جرار المعروفة سيتحول إلى متحف، وباقي البيوت ستتحول إلى مكاتب على الأغلب. دير اللاتين وحده سيبقى، على ما يبدو، ذكرى من الحي الذي كان..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *