نحن أصدق في الأول من نيسان!- مطانس فرح – حيفا

مراسل حيفا نت | 02/04/2010

يوم "احتفاليّ" بأكاذيب جديدة، يزيّن التقويم السنوي في الأول من نيسان، ويزيد من أكاذيبنا اليوميّة أكذوبة إضافيّة أو أكثر؛ فـ "نحتفل" والعالم، في الأول من نيسان (إبريل) من كل عام بـ "كذبة أول نيسان" – وكـأنّه ينقصنا يوم آخر نمارس فيه الكذب والغش والخداع – ألا يكفينا الكذب والنفاق الدائر ليل نهار، وعلى مدار أيام السنة جميعها؟

مطانس فرح

إن غالبية الآراء تشير إلى أنّ "كذبة إبريل" أو "كذبة أوّل نيسان"، تقليد أوروبيّ قائم على إطلاق الأكاذيب والإشاعات والأخبار الغريبة من بعض الأشخاص في اليوم الأول من نيسان، ويُطلق على من يصدّقها اسم "ضحية كذبة نيسان".
بدأت هذه العادة في فرنسا، بعد أن تبنّى الملك شارل التاسع عام 1564 التقويم السنوي المعدّل؛ وحتى ذلك التاريخ كان الاحتفال بعيد رأس السنة يبدأ في 21 آذار (مارس) وينتهي في الأول من نيسان (إبريل) بعد أن يتبادل الناس هدايا رأس السنة الجديدة. وعندما تحوّل عيد رأس السنة إلى الأوّل من كانون الثاني (يناير) ظلّ بعض الناس يحتفلون به في الأول من نيسان، ومن ثمّ أطلق عليهم "ضحايا نيسان"، وأصبحت بعدها عادة المزاح و"الكذب" منتشرة بين الأصدقاء والأقرباء في فرنسا، ومنها انتشرت إلى البلدان الأخرى المجاورة، ومن ثمّ عالميًا.
ويرى البعض أن هنالك علاقة متينة بين الكذب في أول نيسان وبين عيد "هولي" المعروف في الهند، والذي يحتفل به الهندوس في 31 آذار من كل عام، حيث يقوم البسطاء بمهام كاذبة لمجرد اللهو والدعابة، ولا يُكشف عن حقيقة أكاذيبهم إلاّ مساء الأول من نيسان.
حفّزني لقائي ببعض الأشخاص الذين تسنّى لي محادثتهم خلال الأسبوع المنصرم – منهم القريب والغريب – أن أعيد النظر ببعض الأمور والعلاقات الاجتماعيّة والشخصيّة كنت قد اتخذت اتجاهًا معيّنًا لسلكها – نعم، حتى في مثل هذه السن نتعلّم ونكتشف أشياء جديدة يوميًا؛ فالبعض ممن قابلتهم انتقى أن يظهر لي بصورة سلبيّة مغايرة كليًّا عن تلك التي كنت قد بلورتها في ذهني، قد تكون كاذبة أو صادقة، إلاّ أنها معاكسة كليًّا لتلك الصورة الموجودة؛ حيث لم أعد أعِ أيتهما هي صورته الحقيقيّة!
قد تصادف أشخاصًا عدّة، يوهمونك بما لا يملكون من حياة سعيدة وعيشة رغيدة ومهنة راقية ومكانة اجتماعيّة مرموقة، فيكذبون بذلك على نفسهم أولاً وأخيرًا قبل أن يكذبوا عليك.. تجد من يملك "وظيفة محترمة" في مكان ما أو شركة، تحسب بأنه الآمر الناهي صاحب السلطة العليا فيها، يلهث وراء وظيفة باخسة، أقلّ منها بدرجات لمجرد الحصول على بضع شواقل إضافيّة.. آخر يكذب على نفسه ويعلن ولاءَه الأعمى والتام، وإخلاصه المتفاني للدولة بجميع مؤسساتها، على الرغم من أنه أحد ضحايا هذه المؤسسات، محاولاً بذلك إقناع نفسه والآخرين بأنه على صواب.. وقد تقابل مديرًا يوزّع إطراءات وكلمات تشجيع ومديح يمنةً ويسرةً على طاقم موظفيه ويعمل من وراء الكواليس بشكل مغاير، فيكذب هو الآخر عليهم وعلى نفسه.. وزوج يخدع زوجته طوال ساعات النهار، ولحظة خلوده إلى النوم يوهمها بحبه وإخلاصه لها، فهو الآخر يكذب أولاً على نفسه.. وصديقة تغار من أعزّ صديقاتها، وتعمل على الإيقاع بها بأقرب فرصة، تكذب هي الأخرى على نفسها.. والأخ يكذب على أخيه.. الولد على والدته.. و.. و.. فنجد أنفسنا نعيش في حياة اجتماعيّة مغلّفة بعدّة أكاذيب.
والأنكى من الأكاذيب جميعها، تسابق مواقع "الإنترنت" الإخباريّة "المحترمة"، وبعض الصحف بالتنافس على نشر خبر كاذب (قد تكون تداعياته خطيرة أحيانًا) في الأول من نيسان، بهدف التسلية والمزاح، ليقوموا بتكذيبه في اليوم التالي، هذا لو تذكّروا ذلك..!
لا شكّ بأننا في أمسّ الحاجة إلى الترفيه والمزاح بين الفينة والأخرى للخروج من الضغوط اليوميّة، إلاّ أن حياتنا أصبحت مزحة واحدة كبيرة، وعلينا أن لا نحوّل هذا اليوم إلى يوم وطني يُشغلنا ويسيطر على تفكيرنا، فنتفنّن فيه باختراع كذبة، صغرى كانت أم كُبرى..
أنا لا أدّعي العفّة والاستقامة، فأنا فرد من هذا المجتمع؛ ولكن علينا أن لا نحوّل مجتمعنا إلى كذبة واحدة كبيرة من أكاذيب نيسان.
ففي الأول من نيسان أشعر بأننا أصدق ما نكون مع أنفسنا ومع غيرنا! فعلى الأقل نحن على يقين بأننا في هذا اليوم بالأخصّ نكذب على بعضنا البعض قاصدين ذلك من دون "تعليب" أو "تغليف" للكذبة.
دعونا نبتعد عن ممارسة مثل هذه "الاحتفالات" الغربية، وعدم نسبها إلى أعيادنا واحتفالاتنا.. لنحتفل بأعيادنا الوطنية وبأبطالنا، ولنعالج قضايانا الحياتيّة الهامّة، بدل اللّهث وراء أكاذيب نعيشها يوميًا.
فهل حان الوقت للكشف عن حقيقة أكاذيب مجتمعنا أم ما زلنا ننتظر قدوم الكذبة الكبرى؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *