روضة غنايم مصوّرة باحثة وكاتبة في المجال التوثيقيّ – حيفا
روضة غنايم: فؤاد صهيون،حينما يصبح الصبيَ طائراً
مسار..
حيفا، بيروت، الإسكندرية، الكويت، القارة الأمريكية. كل هذه البلاد تروي قصّص التغريبّة الفلسطينّية بأبعادها وأشكالها المختلفة. وأنت يا فؤاد هُجّرت من حيفا إلى هذه الأماكن لتعود بعد عشرات السنين إلى مسقط رأسك، عروس البحر،مقبّلاً تُرابها. ولكن عودتك إلى المدينة التي أحببتها كانت من خلال جواز سفر كندي.
ما هذه المفارقات! هي الدنيا رحبة وفيها الغريب والعجيب.مرّت أيام وسنوات طويلة دون أن تشاهد عيناك زرقة بحر حيفا، والذي اعتدت مشاهدته طفلاً مرّات كثيرة في اليوم، كما حدّثتني.لا بدّ أنك في جولاتك الكثيرة شاهدت البحر الأبيض المتوسط من دول ومدن أخرى عديدة، لكن النظر إلى البحر من شارع صهيون، من قلب وادي النسناس يبقى له مذاقاً خاصاً.
في صيف عام 1948 أسدل الستار على أربعة أعوام من حياتك في حيفا، ولم تدرك حينذاك أن الستار سيحجبك عن وطنك. ولم يُزحِ الستار إلا بعد ستة وأربعين عاما.وخلال كل هذه السنوات في الهجرة لم يتركك حنينك لعصفور طفولتك، الذي كنت تستيقظ على تغريده.وعلى الرغم من أنك جُلت العالم بأسره فبقي قلبك يخفق لحيفا، ويتذكر أشعة الشمس التي كانت كعادتها تخترق غرفة نومك كل صباح. وأنت كالطير الذي مهما طار وابتعد عن وطنه يبقى يعشش الحنين في قلبه.ولا بدّ من العودة إلى العش الأول.
في السادس والعشرون من شهر تشرين أول هذا العام رنّ هاتفي
– “هالو، صباح الخير، بحكي مع السيدة روضة”؟
– “نعم”. أجبت.
– “بحكي معك فؤاد صهيون، أنا من مواليد حيفا وأعيش في كندا، والآن أنا في زيارة لحيفا لأيام. وحصلت على رقمك من أرشيف بلدية حيفا. أتصل معك قاصداً خدمة بحثية تخصّ جدي إبراهيم صهيون”.
– “أهلاً وسهلاً بك في وطنك ومدينتك حيفا، ويا لها من مفاجأة جميلة”. قلت وأكملت حديثي””قبل يومين زرت السيدة وداد بحوث قريبتك، من أجل بحثي، وكنا نتصفح صور العائلة، وفي أحد الألبومات صادفت صورة تجمعك مع وداد، وتحدثنا عن صلة القرابة بينكما وحينذاك قالت لي: “عندما سيأتي فؤاد إلى حيفا ويزورني سأدعوك لتتعرّفي عليه، فهو من سكان حيفا الأصليين”.

– “أتعرفينني؟”
– “نعم. في عام 2014شاهدت الفيلم “حلم فؤاد” في مسرح الميدان، وكنت أنت وزوجتك السيدة هالة في العرض. وسرد قصتِكَ في الفيلم أثار اهتمامي، وشعرت حينها برغبة أن أكتب قصتك من أجل توثيقها في كتابي عن حارات وعائلات حيفاويّة. ولكن لم تسنح لي الفرصة حينذاك لمقابلتك. وها أنت تفاجئني بحضورك.أليست هذه مصادفة جميلة؟”، قلت.
– “بالتأكيد” أجاب..
اللقاء..
بعد يومين من محادثتنا الهاتفيّة التقينا وتحدّثنا في أيام قليلة بعد لقاءنا الأول. قمنا بجولة سويةً إلى البيت الذي ولد فيه فؤاد في شارع الخوري 22 زاوية شارع صهيون. ومنح اسم شارع صهيون نسبة لعائلته العريقة، وتكريمًا لجدّه إبراهيم صهيون، الذي كان ملاّك أراضٍ وتاجرًا معروفًا في حيفا والبلاد.وبين الأعوام 1926-1940 كان إبراهيم صهيون عضوًا في المجلس البلدي في بلدية حيفا، ولاحقًا عُين نائبًا لرئيس بلدية حيفا وقتئذ حسن شكري. وبعد زيارة البيت اتجهنا في المركبة إلى عمارة ضخمة، تقع في شارع الملوك “هعتسمئوت اليوم” رقم 39. التي كان يمتلكها جدّه إبراهيم. وأكملنا جولتنا إلى بناية أخرى تقع في شارع الجبل “هتسيونوت 31 اليوم” والتي كانت فيلا جدّه إبراهيم صهيون،وقد هُدمت البناية قبل سنوات، وأقيمت مكانها بناية ضخمة بناها المقاول السيد يوسف خوري. وجانب هذه البناية في شارع الجبل 29 زرنا بيت جدّ سُميّة، والدة فؤاد، المرحوم أبو فريد كركبي. وعند مدخل البيت قال لي فؤاد: “عندي صورة تجمعني مع عائلتي وأنا طفلاً هنا في ساحة البيت، ما قبل النكبة عندما أعود إلى كندا سأرسلها لكِ”. ثم عرّجنا إلى شارع أللنبي حيث زرنا بيتا آخر لأبو فريد، الذي يقع فوق بقالة مسعود أبو خضرة، وهو اليوم بملكية طائفة الروم الأرثوذكس.
لقاء فؤاد مع عائلة أبو مارون التي تسكن بيت عائلة صهيون
الساعة الحادية عشر صباحاً، الجوّ ماطر،المطر خفيف. المكان:شارع الخوري رقم22.هنا يقع بيت عائلة صهيون حيث ولد فؤاد. صعدنا الدرج سوية إلى الطابق الثالث.خطوات فؤاد كانت سريعة وكان يتقافز برشاقة وخفّة، كأنه أبن الرابعة الذي يعود من الشارع بعد يوم لعب مع أترابه في الحارة. وصلنا مدخل البيت. قرع فؤاد جرس الباب. فتح لنا شاب(لاحقاً تعرّفت عليه وهو إلياس نجل أبو مارون). قال له: “أنا فؤاد” عرفه إلياس فوراً، فعانقه بشدّة. وبعد ذلك أدخلنا إلى غرفة الصالون، حيث وجدنا والدَي إلياس:الوالدة انشراح والوالد جورج جالسين، يرتشفان قهوة الصباح. عندما دخلنا الغرفة وقفا واستقبلا فؤاد وأنا بسرور ورحبا بنا أيمّا ترحيب. بدأ فؤاد وساكنو البيت يتحدثون.تساقطت الذكريات واختلطت المشاعر وهم يتحدثون، بدأنا نتجول في البيت، وانتقلنا من غرفة إلى أخرى، وبين شرفة وأخرى وذلك على إيقاع قصص الماضي.والحنين النابض في ثنايا القلب والروح كان مسموعا من صوت فؤاد: “هذه غرفة نومي، وهنا كان سريري عندما كنت طفلاً.وعلى هذه الشرفة كان لي عصفور صغير في القفص، وكنت أحكي معه خلال اليوم مرات عديدة، وأنظر إلى البحر الأزرق الكبير”.

وعندما كنت أصغي إلى حديث فؤاد مع أبو مارون، فكرت بداخلي:ها أنا أقف وأنظر وأستمع لشجن حديث هذين الرجلين: الأول مُهجّر من حيفا، والأخر مُهجّر من قرية كفر برعم، اشتدت لمعة الدموع في المقلتين.وقفت حائرة وأنا أرى هذا المشهد من واقع مأساة النكبة، قلت في نفسي: ليس سهلاً أن تُهجّر من بيتك قسرًا، ولن تستطيع العودة للعيش فيه، وليس سهلاً أن تجد ساكن بيتك فلسطينيًا مثلك، من وطنك، هُجّرهوالآخر واقتُلع من بيته في ريعان صباه، فأي وجع هذا وأي تغريّبة؟ أهذه هي “الملهاة الفلسطينًية”!.
بينما كنت شاردة في تفكيري قفزت جملة ونحن على الشرفة من أبو مارون صاحب البيت اليوم،قائلاً لفؤاد: “رجّعني إلى برعم وخذ البيت”.
نظرت إلى الأفق وتساءلت بنفسي هل ستتحقق هذه الأحلام؟
نزوح العائلة عن حيفا
أشهر عديدة قبل النكبة اشتد العنف والقتال في البلاد، وقرّر جدّ فؤاد إبراهيم صهيون،وتحديدًا في شهر آذار في عام 1948 السفر مع زوجته وأولاده التسعة، إلى زيارة ابنته إيزابيل التي كانت متزوجة ومقيمة في الإسكندرية، وذلك على أمل أن ينتهي القتال قريبًا، ويعودون بعد ذلك.وأما جدّه لوالدته أبو فريد كركبي وجدّته روز أبيض كركبي، غادرا حيفا، وذلك قبل سنتين من النكبة، إلى البيت الذي كان يمتلكه في بيروت وذلك نتيجة عدم الاستقرار الذي ساد البلاد، وهم يعتقدون أن الوضع سيهدأ ويعودون فورًا. وأما والدا فؤاد، رجا وسميّة وجميع الأولاد، لحقوا بالجدّ أبو فريد كربي قبل نشوب الحرب بشهرين. وحينذاك كان فؤاد في سن أربعة أعوام. ويذكر فؤاد كيف سافرمع عائلته في سيارة السيتروين السوداء من حيفا إلى بيروت. وبعد عام 1948 لم تستطع العائلة العودة إلى حيفا بسبب إغلاق الحدود، وقيام الدولة العبريّة، وذلك على الرغم من محاولة العائلة، وخاصة الجدّ إبراهيم،إلا أنّ جميع هذه المحاولة باءت بالفشل. وهكذا قطعت النكبة أوصال العائلة بالوطن، وصودرت جميع أملاك وعقارات العائلة.
فؤاد صهيون في سطور:
فؤاد رجا إبراهيم صهيون، من مواليد عام 1944، في مدينة حيفا. تعلّم فؤادالابتدائية والثانوية في مدرسة الفرير في مدينة الإسكندرية. وأما والده، رجا وعمه نجيب وخاله حبيب عزام، افتتحوا دكان للأقمشة والصوف، وأطلقوا عليه اسم “آمال للأصواف”. وآمال هي ابنة حبيب عزام، التي تعيش اليوم في بيروت. وهكذا بدأت العائلة التأقلم مع الواقع الجديد.
ولنرجع إلى فؤاد..
فؤاد ذو صوت جميل، فعندما كان عمره ستة أعوام، شارك ضمن نشاطات المدرسة في مسرحية غنائية. ولاحقًا رتّل في جوقة”الترنيم الكنسي الكاثوليكية”. ومن سن الخامسة عشر حتى السابعة عشر، كان يغني في فرقة موسيقية، كان من مؤسسيها الأغاني شرقية/غربية. وفي سن الأربعين حتى السادسة والأربعين كان يغني في أوبريت بمشاركة ابنته المحامية ليلى، وأدى الأغاني الكلاسيكية في فترة عيد الميلاد. وعن تلك الموهبة قال:”كانت تملك والدتي صوتًا جميلاً، وكانت تعزف على البيانو، وكذلك جدّتي روز والدة والدتي كانت تعزف على البيانو. وكنا نعمل حفلات عائلية موسيقية في البيت، فنشأت في بيت مليء بالفنون والموسيقى والغناء. وفي الإسكندرية كنت أذهب لحضور حفلات، لكبار المطربات والمطربين العالميين، أذكر منهم أم كلثوم، داليدا وآخرين”.
وفي عام 1961 التحق فؤاد بجامعة الإسكندرية ودرس في كلية الهندسة، وتخرّج عام 1966 بشهادة مهندس كمبيوتر. وفي عام 1968 تخرج من جامعة ويسكونسين في أمريكيا، وحصل على لقب الماجستير في موضوع علوم الكمبيوتر، وفي عام 1971 حصل على ماجستير ثان في موضوع إدارة الأعمال من جامعة نيويورك. وعمل مهندسًا للكمبيوتر في الأمم المتحدة في جنيف لمدة خمسة أعوام، ثم انتقل إلى العمل في الكويت، حيث أسّس شركة خاصة وكبيرة، بعنوان “المركز العربي للحاسب الإلكتروني”.وبعد النجاح الذي حقّقته الشركة باعها وانتقل إلى العمل في نفس المجال في لبنان ليكون قريبًا من العائلة. وفي عام 1990 قرر الهجرة مع أسرته إلى كندا، ومنذ ذالك الوقت يعيش ويعمل في مدينة مونتريال في كندا.
فؤاد متزوج من السيدة هالة خوري. وله ثلاثة أولاد: ليلى، وليد وعمر. وهالة هي فلسطينية الجذور من مواليد بيروت عام 1958 والدها مهجّرمن مدينة يافا ووالدتها من القدس، وجدّ هالة من طرف والدتها سلفيا هو تيوفيل البوتاجي. وعائلة البوتاجي هي من العائلات التي كانت معروفة في حيفا في زمن الانتداب البريطاني، كانت عائلة عربية ثريّة ذات مكانة مرموقة. وكان تيوفيل بوتاجي يملك شاطئا خاصًا للعائلة وهو شاطئ:”تل السمك” الذي يسمّى اليوم “بات جاليم” على مقربة من معهد الأبحاث البحري. والعائلة امتلكت الكثير من العقارات. ولها بنايات فخمة في حيفا. كما اشترى نجل تيوفيل تشارلز، وهو خال هالة، فندق “ويندزور”والذي كان يقع في حي الألمانية، وكانت تملكه عائلة من التمبلاريين. وكان لي حديث شائق مع هالة حول تاريخ العائلة.

ونتابع قصة فؤاد
في عام 1994 حصل فؤاد على الجنسية الكندية، وزار حيفا لأول مرة منذ التهجير.وحسب إرشادات والدته اهتدى إلى بيت العائلة، تعرّف على أقربائه في حيفا.
زيارتي الثانية لبيت عائلة صهيون..
أحببت أن أتعرف على ساكني البيت اليوم، وخاصةً أنهم مهجرون بأنفسهم من قرية كفر برعم، قضاء صفد، التي تقع على حدود لبنان. منذ عام 1968 انتقلت عائلة السيد جورج (أبو مارون) من عكا إلى مدينة حيفا، وسكنت العائلة في بيت رجا إبراهيم صهيون.ولم يعرفوا وقتئذ لمن يعود هذا البيت، إلا عندما زارهم فؤاد في المرة الأولى في عام 1994وأخبرهم عن تاريخ البيت.
السيد جورج مارون موسى من مواليد قرية كفر برعم عام 1929 وزوجته السيدة انشراح عبّود من مواليد قرية الجش عام 1934 تزوجا عام 1954 وسكنا في البداية في مدينة عكا، وأنجبا سبعة أولاد: ثلاث بنات وأربعة صبيان. عمل جورج مقاولاً للعمار.وخلال زيارتي له ولعائلته تواجدت الابنة رندة وزوجها في زيارة. ورنده هي الوحيدة من بين أشقائها ولدت في هذا البيت، جلست رندة على الأريكة جانب والدها وأنا جلستُ جانب والدتها، حدّثتني رنده عن حنين ووجع والدها الذي لم تمحُها السنون، بل على العكس مع الوقت، يكبر الحنين وحلم العودة يبقى هو الأمل. قالت: “عندما نذهب لزيارة قرية كفر برعم من حين إلى آخر، وذلك وفق طلب والدي الذي لا يزال يعيش على أمل العودة إليها، وذكرها لايفارق لسانه،وحديثه اليومي.فور وصولنا إلى القرية ونزولنا من المركبة، يمسك والدي عكازته ويسير بين أنقاض البيوت متفقدًا أحجارها، وإذا كان ثمة مجموعة من الناس متواجدة في المكان، يتدخل ويحدّثهم عن قريته ويقول لهم: هنا ولدت، وهذه بلدي، ويحكي بغصة عن التهجير من البلد. ما تزال أحجار البيت موجودة وبئر الماء ودالية العنب في البيت أيضا.وعرّفنا أولادنا أي أحفاده عما جرى.والدي حتى اليوم منزعج مما حصل معه، نحن الأولاد كبرنا على كلام والدي عن بلدته”.
“هذا البيت لك يا حبيبي إذا بتعطينا البيت في كفر برعم تفضل خذ بيتك”
وعن زيارة فؤاد الأولى عام 1994 إلى البيت حدثتني السيدة انشراح قائلة:”عندما زارنا فؤاد لأول مرّة قرع جرس الباب وعرّفنا بنفسه.لم نتردد للحظة بإدخاله إلى البيت، ورحبنا به أيمّا ترحيب، وحتى أني أذكر أنني كنت أحضر طعام الغداء، ودعوته بحرارة ليبقى ويتناول معنا الغداء، هو وزوجته السيدة هالة، لكنه اعتذر وقال:”نحنا معزومين عند أقرباء لنا”، وطلب حينها أن يشاهد البيت ويتجول فيه، وقلنا له هذا البيت لك يا حبيبي، اذا بتعطينا البيت في برعم تفضل خذ بيتك.وأنا كمان عندما ازور بيت أهلي في الجش أشعر بالفرح، وهكذا كل إنسان يحب موطنه الأصلي”.
E- [email protected]











