“فارس بولس”- بين خيبة الأمل ومهاجمة الثورة
طوني باسيلا
فارس بولس هو اسم عاصمة الإمبراطورية الفارسية التي يعود تاريخها إلى أيام الملك “كوراش” سنة 560 ق.م.، وقد استعارت المخرجة الإيرانية مرجان ساترابي هذا الاسم سنة 2007 ليكون عنوانًا للفيلم الكرتوني الذي انتقد وهاجم ثورة الخميني في إيران.
جاءت الثورة الإيرانية سنة 1979 على مرحلتين: في المرحلة الأولى، تمّ اسقاط نظام الشاه الإيراني، الذي قاده محمد رضا بهلوي، المتربع على عرش الحكم منذ أوائل الأربعينيات بعد أن ورث قيادة الدولة عن أبيه، وتميز بولائه للغرب. اجتمعت الظروف وثارت قوى اليسار، من ليبراليين واشتراكيين وأكراد وغيرهم من أبناء الطبقة الفقيرة والطبقة الوسطى، الذين اعترضوا على نظامه القاسي، خاصةً أنه عمل على تطبيق جميع وسائل القمع ولم يتردد يومًا في اتّباع سياسة الاعتقال بحق كل من وقف في طريقه. في المرحلة الثانية من الثورة، استولى الخميني على الحكم في الدولة، وهكذا سقطت الأوتوقراطية الدكتاتورية وحلّت محلها الأصوليّة الدينية.
باتت أحلام عامة الشعب في بلاد فارس كأحلام شاب تخيل دائمًا بأنه سيتزوج “بنت السّلطان”، وبأن السعادة سوف تغمر حياتهما لأن الأمر سوف يتحقّق آجلاً أم عاجلاً، ولكن المسقبل يكشف له حقيقةً أخرى تسيطر عليها الأشواك والضر والضيم. هكذا فئات اليسار، بعد الثورة، لم تلمس ما كانت تحلم به وما ناضلت من أجله، إنما انتقل الحكم الإيراني من هذه الكفة إلى تلك الكفة دون الوقوف عند اليسار العلماني الفارسي وبالذات عند الليبراليين منهم. وهنا بدأت العناصر المختلفة تلعب دورًا في توجيه النقد ضد الحكم الجديد، إما بواسطة الأدبيات وفن الشعر والرسم والنحت وفن السينما، وإما بواسطة الأبحاث الأكاديمية. وبما أن حكم الثورة الخمينية أبى أن يفتح نوافذ النقد أمام التعددية الفئوية والحزبية، فقد أبحرت أمواج النقد من الخارج، أحيانًا بشكلٍ مستقل وأحيانًا بتوجيه ودعم القوى الأجنبيّة التي عارضت تطبيق الحكم الجديد شكلاً ومضمونًا.
في سنة 2007 راحت الكاتبة والمخرجة مرجان ساترابي، تعمل على إخراج فيلم يعبّر عن موقفها وعن موقف اليسار الإيراني الذي خرج للثورة ضد نظام الشاه، وفي النهاية لم تتحقق أمنياتهم التي رسموها على مدار سنوات عديدة قبل الثورة. تلك المواقف التي تبلورت في ظل تأثيرات الظلم والسخط والدكتاتورية التي عانى منها الشعب أيام الشاه. وقد أجمع اليسار المثقف حينها على إسقاط الحكم بكل ما فيه من قمع وذل وقتل وتعذيب ورقابة صارمة وسن قوانين مؤلمة ضد أبناء الحرية الذين اعتقدوا بأن البلاد تستحق أكثر من ذلك بكثير. ولكن أملهم خاب لأنهم لم ينالوا قسطًا في الحكم بعد الثورة. أما مرجان التي آمنت منذ صباها بالتعددية وحقوق الانسان وعملت كناشطة نسوية في ميادين وحلقات مختلفة، لم تتردد عن صنع الفيلم الذي يروي قصة ذلك اليسار الذي عاد بكفّي حنين وما زال جالساً ينتظر حظه من رب السماء والأرض.
يتحدث الفيلم “فارس بولس” (برسبولس) عن فتاة إيرانية متحررة، خرج أهلها للثورة ضد الحكم القديم، وعن التحولات والتغييرات التي حصلت نتيجة صعود الأصوليين للحكم. يركّز الفيلم في محطاته المختلفة على إلغاء وانتهاك حقوق المرأة بعد الثورة وعلى وضع حدود تمنعها من الانخراط في مجالات العمل المختلفة وممارسة حياتها الاجتماعية بحرّية تامة. ومن أبرز المَشاهد التي عرضها الفيلم كان إغلاق المدرسة التي درست فيها الفتاة لأنها تميزت بكونها مدرسة متعددة اللغات، والفصل بين البنين والبنات، وإصدار قانون يقضي بعدم الاختلاط بينهم. هذا غير العادات التي تم شطبها من قاموس الحياة اليومية عند الفتاة الإيرانية، مثل العزف والغناء وغيرها من عادات أصبح من المستحيل تطبيقها على أرض الواقع. هذا العمل السينمائي الذي يروي سيرة مرجان الذاتية، يمثّل أيضًا السيرة العامة لأبناء الطبقة الوسطى من أصحاب العقول المستنيرة.
ينتهي الفيلم برحيل الفتاة من وطنها إلى النمسا، وهذا ما حصل بالحقيقة عندما قرّر والدا مرجان سنة 1983 الرحيل باتجاه الغرب. تعبر مغادرة الوطن عن عدة جوانب، منها خيبة الأمل وعدم استطاعة الليبراليين الأحرار ممارسة حياتهم اليومية، ومن جهة أخرى التوجه إلى الغرب، كمنفذ للعيش بشكل طبيعي، دون الاصطدام بحواجز فكرية، اجتماعية واقتصادية.
كانت الأصداء حول الفيلم بمثابة سيف ذو حدّين، حيث اعتقد المؤيدون بأن “فارس بولس” (برسبولس) يعبّر عن الواقع المرير الذي يعيشه الأحرار والديمقراطيون في ظل الأصولية الإيرانية، وأما المعارضون فقد اتهموا المخرجة مرجان بأنها تخدم الغرب وتحاول من خلال فيلمها أن تعرض صورة مسيئة للنظام. وبناءً على وجهة النظر الأخيرة، لم يتوقف أهل النظام الإيراني عن مهاجمة الفيلم واتهام أنصاره بالتدجيل ونشر الوباء في صفوف المجتمع الإيراني، محاولين، وبشتى الطرق، أن يمنعوا عرضه في دور السينما في الدول المختلفة في العالم، بحجة أن هذا العمل السينمائي يشوّه “الإنجازات العظيمة التي توصلت إليها حكومة الثورة”. ويبقى السؤال هنا، في ظل التحولات الحادة في شرقنا الملتهب بنيران الغضب وانعدام المسؤولية الدولية تجاه الانسان وحريته، وبعد سنوات عشر مرّت على “فارس بولس”، هل ستتغير موازين الصراع بين اليسار والنظام في إيران؟ وهل سيكون “فارس بولس” جديدًا بصيغة أخرى؟.. في الانتظار.











