إغتيال الرموز بقلم رجا زعاترة

مراسل حيفا نت | 28/11/2009

رجا زعاترة

المستهدف ليس الشاعر سميح القاسم، بل الثقافة التقدمية الفلسطينية

ثمة فولكلور فلسطيني جديد يسبح في الفضاء الثقافي الملوّث بالنفط العربي والأعجمي: يطالعوننا، بين الحين والآخر، بمقالة شبه صحفية أو مقابلة شبه فكرية أو كتاب نصف أكاديمي، يطعن مباشرةً أو تلميحًا في عَلم ثقافي فلسطيني بارز، إميل حبيبي تارةً، ومحمود درويش طورًا، وإدوارد سعيد مؤخرًا، والآن الشاعران سميح القاسم وطه محمد علي أمدّ الله في أعمارهم. فهذا مُطبِّع وذاك متأسرل، هذا متأمرك وذاك تخلى عن أدب المقاومة.

ليست هذه الكوكبة بحاجة للدفاع عنها، إذا ما وُضع نتاجهم الفكري والأدبي في ميزان النقد الفني أو النقاش السياسي. وليس أي منهم مقدسًا على الصعيد الشخصي أو الذاتي، ولا أعمالهم أو مواقفهم. ولكن ما بدأ في السنوات الأخيرة كـ"ظاهرة" ويتكثف اليوم إلى طور "المشروع"، يعكس أيضًا رداءة الحال النقدية وشعبويّتها السياسية. فقلـّما تقرأ نقدًا أو تحليلاً جديًا لنثر درويش أو سرد حبيبي أو كولاجات القاسم، أو حتى محاولة لـ"قتلهم" إبداعيًا كآباء للثقافة الفلسطينية. وذلك ببساطة لأن المستهدَف هنا هو الثقافة الفلسطينية نفسها، والرافد التقدّمي والإنساني فيها تحديدًا، من خلال محاولة اغتيال هذه الرموز، بغضّ النظر عن استخدام أدوات فلسطينية في هذا المشروع المشبوه أو وجود مصالح فلسطينية من ورائه.

فمن جهة، هناك مِن الفلسطينيين وغير الفلسطينيين وغير العرب مَن يريد اغتيال هذه الرموز، لأنها لا تنسجم مع منظومة فكرية رجعية ومع نهج سياسي يحوّل القضية الفلسطينية والثقافة الفلسطينية إلى ورقة للمقايضة، ولأنهم يؤسسون لثقافة بديلة، ذات ملامح فاشية، لا مكان فيها للفكر المستنير ولا للأدب الإنساني التقدّمي. ومن جهة أخرى هناك من الفلسطينيين من يعتقد، وبحق على الأرجح، أنّ سبيله إلى قنص مكانة ما في الثقافة الفلسطينية وفي الأدب الفلسطيني تحديدًا يمرّ بالضرورة عبر النّيل من رموزها. هكذا يصبح الجميع "في الهوا سوا"، فثمة "مآخذ" على الجميع وثمة "سوابق" للخنوع والهروب والانسلاخ، في الأدب كما في الفكر والسياسة. وهناك، من جهة ثالثة، في الواجهة، مرتزقة كثيرون.

على هذا النحو يجب قراءة ما نشرته جريدة "الأخبار" الصادرة في بيروت (14 الجاري) ونقلته أسبوعية "فصل المقال" (20 الجاري)، تحت عنوان "سميح القاسم.. حمّى الأسرلة". ليس مهمًا أنّ الجريدة المذكورة تستقي أنصاف الحقائق (في حالة القاسم كما في حالة درويش عشية أمسية حيفا عام 2007) من مصادر محلية مرتبطة بالتلفزيون الإسرائيلي أو أسدت وتسدي خدمات لوزيرة ثقافة من حزب "الليكود". فالمسألة أكبر من مراسل لا يميّز بين طه محمد علي الشاعر (أبو نزار) ومحمد علي طه (أبو علي) القاصّ، وأكبر من محرِّر يبحث عن الإثارة بكل ثمن، خاصة إذا كانت "وطنية"؛ إنه مشروع حقيقي، متكامل، وخطير جدًا في مجتمعات فقيرة وفتيّة بالكاد تقرأ، وتبلور مواقفها، سلبًا أو إيجابًا، بناءً على الصورة أكثر منها على المعرفة والوعي. وهو مشروع لم يتورَّع عن المساس بأكبر رمز فلسطيني معاصر، القائد الشهيد ياسر عرفات، مع فارق واحد بسيط: أن الدّوس على صورة أبي عمّار لم يكن مجازيًا وحسب.

سميح القاسم قامة ثقافية فلسطينية بارزة، ولكنه ليس مقدّسًا وليس فوق النقد. فأنا مثلاُ لم أستسغ بعض زيارات الشاعر إلى الدول العربية، لما قد يحفّها من احتكاك غير محمود ببعض الأنظمة النفطية. لكن شتّان بين النقد النزيه، مهما كان حادًا، وبين التشويه والتسويف، خاصة حين يدور الحديث عن الجماهير الفلسطينية التي بقيت في وطنها، فكلنا "نقبض من مؤسسة التأمين الإسرائيلية" وبعضنا يتقاضى مخصصات تقاعد من "برلمان الكيان الصهيوني". لا نهاية لهذه الترّهات، وليس صدفة أن هذا الفولكلور المعصرَن لا يُنشر في أية صحيفة فلسطينية محترمة.

إن أسئلة الثقافة الفلسطينية الراهنة أعمق بكثير من تسطيحات التخلي عن المقاومة أو العروبة، علمًا بأنّ بعض رعاة هذا المشروع التخوينيّ ليسوا عربًا ولا عروبيين، ومعظمهم لا يمتون للمقاومة، بمفهومها التحرّري والحضاري والإنساني، بأدنى صلة.

ليس شاعرنا بحاجة إلى شهادات في القومية أو الوطنية، ولكن ثقافتنا الفلسطينية التقدمية بحاجة إلى تجاوز المهادَنة المقنّعة بكليشيهات "الرأي والرأي الآخر"، وإلى تحصين نفسها أخلاقيًا وماديًا من هذا المشروع، لأنه بمثابة مقدمة لانقلاب ثقافي أخطر من الانقلابات السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *