* ليلى بنّا – معلّمة في “فالدورف” شفاعمرو: نستقبل الطلاب بمحبّة، نعاملهم باحترام، ونطلقهم للحريّة * ماريا دي بينا: التّعليم يأتي من محبّة للعلم وليس بالإجبار، وليس لأجل العلامة في نهاية السنة *
تقرير: شاهين نصّار
يقول المثل “أطلبوا العلم ولو في الصّين”، وهناك من ينسب هذا الحديث للرّسول الكريم (ص) رغم النفي القاطع، فقول الرسول الكريم “أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد” هو الذي ثبتت صحته، لكن هذا المثل الشّائع ربما يصحّ في العديد من الحالات!
كلّ والد ووالدة يطمح لتربية أولاده بالطريقة الأنسب، الأنسب للطّفل وللأهل. في بعض الحالات فإنّ الحلول التي تقدّمها المدينة غير كافية. ومؤخّرًا، هناك ظاهرة نزوح للطلاب بعيدًا عن المدارس العربية الحيفاويّة، الأهلية والرسميّة منها، على حد سواء. وعدد الأهالي الّذين يختارون إرسال “بؤبؤ أعينهم” إلى مدارس خارج حيفا، آخذة بالازدياد.
إحدى المدارس التي باتت تستقبل عددًا من الطلاب العرب من حيفا هي مدرسة “فالدورف” – شفاعمرو. هذه المدرسة الشفاعمريّة التي أقيمت عام 2005 تستقطب عددًا ليس بقليل من الأهالي الحيفاويّين، والسبب لذلك ربما يكون رغبة الأهالي بتعليم أولادهم بطرق بديلة، ورغم وجود حلول في حيفا للتّعليم البديل، إلّا أنّ الطريقة المميّزة التي تعرضها فالدورف، تروق للكثيرين.
من هؤلاء الأهالي، الحيفاويّة ماريا دي بينا، التي يبدو التميّز كإحدى شيمها، فختارت العام الماضي أن يخرج حبيب رمزي من مدرسة راهبات النّاصرة في حيفا، ليكمل دراسته في “فالدورف” – شفاعمرو. والسّؤال: لماذا؟ والجواب بكلّ بساطة له جانبان، الأوّل أسلوب التربية والتعليم الذي تنتهجه هذه المدرسة، والثّاني هو الراحة التي يعطيها للطّالب. “عندما يكون الولد راضيًا وسعيدًا، الجميع يكون كذلك”، تقول ماريا دون تردّد.
وتضيف “الولد قلَب حياتنا 360 درجة، فعاد إلى مكانه الطّبيعي، مع تغيير كبير. عندما يعود الولد إلى المنزل سعيدًا، فالأمر مهم. عندما يفرغ الولد طاقاته قبل دخوله الصّف، بنشاط رياضي فهذا مؤشّر جيّد”. لكن الهدف ليس الشّهادة التي يتلقّاها الطالب من المدرسة في نهاية السنة، بل راحته النّفسيّة – بحسب دي بينا، التي تؤكّد أنّه في “فالدورف” يتلقّى الطالب بدل الشهادة في نهاية العام قصّة، تكتبها مربية صفّه، تصف فيها تقدّمه وتروي للأهل تفاعل الطّالب في الصف. ويبدو أن القصص ترافق الطلاب في هذه المدرسة طوال الوقت، حيث أنّه “لا يوجد كتب! هناك دفاتر، الطلاب يؤلّفون كتابهم بذاتهم”.
الطلاب في مدرسة “فالدورف” يأتونها من كل حدب وصوب، رغم أنّ المدرسة في شفاعمرو التي تبعد نحو 13 كيلومترًا (مسافة سير نحو 20 كيلومترًا) شمال شرق حيفا، إلّا أنّها تستقبل كما أسلفنا طلّابًا من المدينة، وبحسب المدير دياب عكرية “تقدّم أجوبة للأهالي المعنيّين بطريقة التربية “فالدورف”، شفاعمرو، طمرة، بئر المكسور، عبلين، وحتى حيفا”.
* إذًا ما المميّز في هذه المدرسة؟
حاولت الحصول على جواب مستفيض قدر الإمكان من مجموعة من المسؤولين في المدرسة والأهالي، بالنسبة لمديرها الأستاذ دياب عكرية، فهي بالأساس القيم الإنسانيّة، وتلقينها من الصغر، مؤكّدًا أنها ليست مدرسة نخبويّة البتة. ويضيف “نحن ننظر إلى الطّفل كطفل، وعلينا أن نمنحه ما هو يحتاجه في هذا الجيل. كمربين وأهالٍ أيضًا”. أمّا بالنسبة للأستاذة أوريت تسور فإنّ السبب أنّ “تربية “فالدورف” تسمح للأولاد أن ينشاؤوا ويستمتعوا بطفولتهم. ولا بدّ من تطوير الطّفولة وعدم تقصيرها”. أمّا بالنسبة لرئيس لجنة أولياء الأمور أمير بركات فإنّ السبب هو “أهم شيء كان هو أن تكون نفسيّة الولد مرتاحة، أن يذهب ويعود سعيدًا. الطّلاب يعزفون النّاي، وهذا أساسي بطريقة “فالدورف”. يتعلّمون كل شيء عبر تجربة فنيّة. الأولاد يغيّرون نمط حياتي في المنزل، كيفيّة تعاملهم مع الأمور، كيف يهتمون بكل شيء، يرفضون أن يعكّر أي شيء صفاء البيت”.
ولكن أكثر من ذلك، فطريقة “فالدورف” التي يدرس بحسبها الطلاب ويتعلّمون خلالها كل شيء، تعتمد على عدّة أمور، أوّلها – على الأقل في المرحلة الابتدائيّة – عدم استخدام التكنولوجيا، “وبصراحة لم أجد إلّا حاسوبًا واحدًا في غرفة المدير بالمدرسة، بينما في مخزن المدرسة ستجدون جعبة من الأدوات للأشغال والأعمال اليدويّة، الألوان المائيّة وغير المائيّة، أوراق الرسم التي تملأ جدران المدرسة برسومات الطلّاب، وحتى أدوات الحياكة والخيطان الملوّنة بأزهى الأصناف. وبالطبع الآلات الموسيقى، وعميدها في طريقة “فالدورف” – الناي.”
يعتمد تعليم “فالدورف” على فلسفة تربويّة أسسها رودولف شتاينر – مؤسّس نظرية الـ”أنتروبوسوفيا”، نظام تربوي يشدّد على دور الخيال في التعليم، ويسعى إلى دمج الروحانيّات، والتطوّر الروحاني، الفكري، والعملي في العمليّة التربويّة لتطوير ذات الطلاب ومعرفتهم على حد سواء.
في السّاعات القليلة التي أمضيتها في المدرسة شاهدت الأطفال، يرسمون ويعزفون ويلهون، لكن هناك أيضًا عملية تعليمية تتم في الآن ذاته. فبحسب أوريت تسور – التي أدارت مدرسة “فالدورف” في طبعون سابقًا والآن مرافقة تربويّة في شفاعمرو – “نمنح الأولاد أدوات للتّعامل مع الواقع أفضل من بقية المدارس. مدرستنا تسمح بالحريّة بممارسة الفنون والدراما والموسيقى والغناء والزراعة وغيرها. نسمح للأولاد اختبار كلّ شيء ولا نضعهم في قالب معيّن ونحصرهم في مجالات معيّنة”.
وبعكس مدارس تعنى بالفنون على وجه الخصوص، وعادةً ما تكون هذه ثانويّة فحسب، فإنّ “فالدورف” تدمج الفنون في العمليّة التربوية منذ الصغر، “نسمح لهم اختبار كلّ شيء كي يجرّبوا ويتعرّفوا على ما هم يريدون تطويره في ذاتهم. الرياضيات ليست أهم من الحياكة والأدب وليست أهم من الفنون. نخرج في رحلات كثيرة، إلى الطبيعة” – تضيف تسور.
* التربية تتمّ دون عقاب، بعيدًا عن العنف
أمر آخر لا بدّ من التنويه إليه تؤكّده المربية ليلى بنا أن المربية ترافق الطالب من الصف الأول حتى السّادس. “كلّ صباح تقوم المعلّمة بمصافحة الطالب، لتشعر إذا كان منزعجًا لسبب ما، لمسة منّا على الكتف أو على الشّعر، تقرّب بيننا، فيوميًّا نتحادث مع الطلاب”.
وتضيف “العملية التعليمية هي سيرورة للمدى البعيد – مشوار طويل. بحاجة للكثير من التشارك مع الأهالي، الإدارة، المعلمين، التي تساعد في تطوّر الفرد. ولا بدّ أن يلبّي هذا النتاج احتياجات الطفل”!
العملية التربوية بالنسبة لنا لا تحتاج للعقاب في المرحلة الأولى، وهي الطريقة التي يتعلّم بها الأولاد، “نعلم بفقرات، وكل فقرة تلائم تربية فئة من الأولاد بحسب أعمارهم”.
تشير الاحصاءات إلى أنّ نسبة العنف في مدارس “فالدورف” تكاد تصل إلى الصّفر، والسبب في ذلك ربما يعود إلى طريقة التعليم التي تبتعد عن العقوبات “لا نسمّيه عقابًا. ولكن في الصّف الثالث نبدأ بتعليم العقاب. فمثلًا نحن نخرجهم من الصف، هم يخرجون من الجنّة كما تمّ طرد أصحاب الحرف من الجنة، فقط بعد تعليمهم قصة قايين وهابيل التوراتيّة” – كما تؤكّد بنا.
أمّا بالنسبة لعكرية، فالسبب يعود إلى أن “ما يجعل نسبة العنف أقل هي طريقة العمل داخل الصّفوف. وجود المربية لوقت أطول، هذا يجعل الصف يتحوّل إلى مجموعة اجتماعيّة واحدة – عائلة”. ويضيف أنّه لا تساهل مع العنف، لكن الشراكة الدائمة مع الأهل وطريقة العمل في المدرسة “تمنح الأولاد الراحة النفسيّة”.
* المبادرة الأولى عربيًّا
السّبب في أنّ أول مدرسة عربية تعلم بطريقة “فالدورف” أقيمت في شفاعمرو، يعود على ما يبدو إلى قربها من كيبوتس القرية التّعاونيّة “هاردوف”، المحاذية لشفاعمرو، حيث أقيمت هناك أول مدرسة “فالدورف” في إسرائيل قاطبة. و”فالدورف” شفاعمرو هي المدرسة الأولى التي تعلم بطريقة “فالدورف” في العالم العربي أجمع، والوحيدة حاليًا، بعد أن أغلقت المدرسة التي افتتحت في مصر لأسباب شتى.
قد يعتقد البعض أنّ “فالدورف” مدرسة نخبوية، كما هي العادة مع العديد من التجارب للمدارس الخاصة العربيّة في البلاد، ولكن ليس هو الحال، إذ أن “فالدورف” مدرسة رسميّة معترف بها من قبل وزارة التربية والتعليم، تتلقّى تمويلًا من الوزارة ولا تختلف عن المدارس الرسميّة الأخرى إلّا بطريقة التعليم التي تنتهج الأنتروبوسوفيا وطريقة “فالدورف” لتعليم المنهاج الدراسي.
“ليست نخبويّة” يؤكّد الأستاذ عكرية، ويضيف “المدرسة عاديّة جدًا، فيها طلّاب عاديّين من كل الطبقات الاجتماعيّة”. بل تؤكّد تسور أنّ بداياتها كانت من طبقة العمال، فأولى مدارس “فالدورف” أنشئت في ألمانيا كمدرسة لأبناء عمال مصنع “فالدورف” أستوريا للتبغ في مدينة شتوتغارت عام 1919.
وتؤكّد أوريت “لأنّنا نعلم الكثير من الفنون، فهي تمنح ردًا لاحتياجات الروح، تجعله أكثر لطفًا وحساسية لأمور صغيرة. ولأنّ هذه الفكرة التربوية تحاول أن تبحث عمّا يحتاجه الطّالب من ناحية تطوّرية، فهو يحصل على ردّ حسيّ، وهذا يجعل نسبة العنف أقل بكثير. لا ضغط على الأولاد، لا اختبارات ولا امتحانات، حتى الصّف السادس”.
البداية في شفاعمرو كانت مع مجموعة من الأهل، وكان رئيس لجنة أولياء الأمور رجل الأعمال أمير بركات من الأوائل الذي بادر إلى إرسال ابنته للتعلّم في “فالدورف”. فيقول ” قبل 11 – 12 سنة رغبت بإرسال ابنتي إلى حضانة، وسألت، وكانت حينها مبادرة جديدة في شفاعمرو، قالوا إنّ هذه المبادرة جيدة، صارت ابنتي تذهب إلى المدرسة وتعود سعيدة ومرتاحة، بعد بضعة أشهر تغيّرت الأجواء في المنزل”.
ويتابع بركات “بعد فترة تعلّمت معنى الانتروبوسوفيا. وجدت فيها أجوبة للكثير من الأمور المبهمة التي لم تكن لها أجوبة في حياتنا. أولادي يحبّون المدرسة، لهم شخصيّة قوية ومستقلّة، يستمتعون بالحياة، وهذا أمر لم أشهده لدى آخرين”. وربما هذا ما جعل طريقة الأنتروبوسوفيا والتعليم بطريقة “فالدورف” يتحوّل إلى رسالة بالنسبة له. مؤكّدًا أن الطريق لتأسيس مدرسة ابتدائية لم يكن سهلًا ومليئًا بالعراقيل، ودون الخوض بها يؤكّد أن الطريق لا يزال طويلًا، معبّرًا عن طموحه بتحويلها إلى مدرسة شاملة، تمنح التربية والتعليم للأولاد من سن الحضانة وحتى إنهاء المرحلة الثانوية “ستكون أرقى مدرسة في البلاد” يشدّد!
بالنسبة لأم حبيب – ماريا دي بينا، طريقة التّعليم أساسية، فتقول إنّها تفاجأت من أنّ الطلاب وفي غضون أسبوعين حفظوا وتعلّموا وقدّموا عرضًا كاملًا في نهاية الفصل الدراسي. وأضافت: “الولد يحفظ القصص، حتى لو لم يرغب بذلك. وبهذه الطّريقة، عبر القصص، يتعلّم الموسيقى، اللّغة العربية، الرياضيات وشتى المواضيع، فهو يفهمها ويستوعبها ويكتبها بطريقته الخاصّة، ليؤلّف كتابه وقصّته”…
في “فالدورف” لا يوجد امتحانات ولا علامات وأرقام تقيّم قدراته بحسب أدائه على ورقة، لكن التقييمات الدوريّة والمهام، تكون بديلا قيّمًا، كما تؤكد ماريا من تجربتها الخاصة أنّ “التعليم يأتي من محبّة للعلم وليس بالإجبار، وليس لأجل العلامة في نهاية السنة. بل لأن الطالب يحب ويرغب بذلك. بنظري أهم شيء هو أن التعلّم ينبع من محبّة”؛ وهنا يكمن الأساس، في محبّة التلميذ للتعليم والمدرسة، فهي أساس التقدم والتطوّر على المستوى الشخصي والتربوي والتعلّميّ!















