العلاقات الإسرائيلية – التركية: إلى أين؟! – وديع أبو نصار

مراسل حيفا نت | 25/10/2009

تحدثت مصادر إعلامية مؤخرا عن وجود وساطة دبلوماسية أمريكية تهدف إلى التخفيف من حدة التوتر البادية حاليا في العلاقات بين إسرائيل وتركيا، وذلك في ظل تضارب في المواقف والرسائل حول هذه العلاقات لدى مسؤولين إسرائيليين وأتراك على حد سواء.
ففي حين عبر نائب رئيس الوزراء التركي بولنت أرينك بأن المسلسل الذي يبث حاليا في إحدى قنوات التلفزة التركية لا يمثل بالضرورة وجهة النظر الرسمية التركية مدعيا عدم وجود رقابة على مثل هذه المسلسلات ومشددا على أن هذا المسلسل يجب ألا يؤثر سلبا على العلاقات التركية-الإسرائيلية، فإن وزير الخارجية التركي أحمد داودأوغلو صرح بأن العلاقات التركية-الإسرائيلية "لن تعود إلى سابق عهدها من حيث المتانة والتنسيق إلا بعد إنهاء المأساة الانسانية في غزة واستئناف عملية السلام بين إسرائيل والعرب".
بالمقابل، وفي حين عبر عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين عن رغبتهم عدم زيادة التوتر في العلاقات بين دولتهم وتركيا، إلا أن العديد من المسؤولين الآخرين، الذين فضلوا عدم الكشف عن هويتهم، عبروا عن امتعاضهم من تصرفات تركيا إزاء إسرائيل خلال الأشهر الماضية، بدءا بالموقف الحازم المنتقد للحرب التي شنتها في غزة، ومرورا بنقد متواصل للسياسة الإسرائيلية ووصولا إلى إلغاء مشاركة سلاح الجو الإسرائيلي في تدريب عسكري مؤخرا إضافة إلى ما يوصف كإنتقادات شعبية تركية لإسرائيل، بما يشمل المسلسل التلفزيوني الذي يصور جنودا إسرائيليين يقتلون فلسطينيين.
في هذه الأثناء يبدو وكأن الكراهية بين الشعبين التركي والإسرائيلي في تزايد مستمر، حيث في الوقت الذي تزيد به مناداة الأتراك لمسؤوليهم قطع العلاقات مع إسرائيل أو تخفيفها إلى أدنى حد ممكن، نجد وسائل الإعلام الإسرائيلية مليئة بمناداة شبيهة يطلقها الكثير من الإسرائيليين لمقاطعة تركيا، على الأقل من خلال تراجع السياحة الإسرائيلية إلى تركيا، التي تعتبر في الأعوام الأخيرة الوجهة الأكثر تفضيلا للسياحة الخارجية الإسرائيلية.
إلا أن غالبية الإسرائيليين لا يدركون كما يبدو بأن سياحتهم الخارجية بالكاد تشكل 2% من السياحة الوافدة إلى تركيا والمقدرة بنحو 26 مليون سائح سنويا، ومن ثم فإن مثل المقاطعة المذكورة تأثيرها محدود، إن حصلت أصلا، لأن المعطيات التي تدل على تراجع ملموس يقدر بنحو 40% في السياحة الإسرائيلية تدل أيضا بأن تركيا ما زالت الوجهة الأفضل للسياح الإسرائيليين بالأساس بسبب القرب الجغرافي وما تقدمه تركيا من مغريات للسياح إضافة إلى الثمن القليل نسبيا الذي يدفعه السائح الإسرائيلي مقابل سفره واستجمامه في تركيا.
غير أن من يعزو التوتر الحاصل حاليا بين تركيا وإسرائيل فقط إلى التطورات الحاصلة في الملف الفلسطيني يخطئ بتقدير مجمل أسباب هذا التوتر، فالعلاقات التركية-الإسرائيلية متشعبة جدا ولا تتمحور فقط بالقضية الفلسطينية بل تمتد لتشمل قضايا إقليمية ودولية عدة إضافة إلى العلاقات الثنائية بين البلدين.
فليس سرا بأن تركيا امتعضت مما وصف بعدم التعاون الكافي إسرائيليا معها من أجل إحداث تقدم ملموس على المسار التفاوضي مع سوريا، مع أن هنالك قللا تركيا من الدور الإسرائيلي المزعوم في كردستان العراق، إضافة إلى رغبة تركيا بأن تصبح الحليف الأبرز للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بموازاة علاقات عسكرية وتجارية متشعبة بين البلدين تمتد لتشمل – حسب مصادر عدة – مبيعات بعشرات الملايين من الدولارات سنويا.
لذلك، لا يجوز تبسيط الأمور وتصوير تركيا وكأنها "المدافع الأبرز عن القضية الفلسطينية" في الشرق الأوسط، مع ضرورة الاعتراف بحدوث تحول واضح في السياسة الخارجية التركية لا سيما تجاه تبني مواقف أكثر قربا من الموقف الفلسطيني منذ استلام حزب العدالة الإسلامي برئاسة رجب طيب أردوغان لزمام الأمور في أنقرة خلفا للعلمانيين هناك.
فتركيا معنية باستثمار تطورات الوضع في الحلبة الفلسطينية لتوجيه رسائل ليس فقط لإسرائيل بل أيضا للولايات المتحدة وحتى لأوروبا المترددة بقبول تركيا عضوا في اتحادها، وكأنها تملك بدائل للاحتفاظ بدور بارز إن لم يكن في الحلبة الدولية ككل فعلى الأقل في الشرق الأوسط. وقد ظهر ذلك جليا من خلال التطوير الملحوظ في العلاقة التركية-السورية في الفترة الأخيرة إضافة إلى محاولة تركية لعب دور الوسيط الأبرز بين العراق وسورية مؤخرا.
لكن، هذا لا يعني بأن تركيا متسرعة للتخلي عن علاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل لا بالمناحي الأمنية ولا بالمناحي الاقتصادية لأن مثل هذه العلاقة لا تفيد إسرائيل وحدها بل تفيد أيضا تركيا إما من خلال التعاون الثنائي مع إسرائيل في العديد من الميادين وإما من خلال التعاون الثلاثي بين إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة.
بالمقابل، فإنه من الواضح بأن إسرائيل غير معنية التخلي عن تعاونها مع تركيا لأنها بحاجة إلى تركيا أكثر مما تركيا بحاجة لها، لاسيما عند معالجة قضايا إقليمية شائكة، وبالذات إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الضغط الأمريكي المرتقب على كلتا الدولتين كي يحدا من التوتر فيما بينهما.
إلا أن الضغط الأمريكي والمصالح المشتركة بين إسرائيل وتركيا لن يكفوا للتغطية على حالة التوتر بين هاتين الدولتين وستبقى علاقة هذين البلدين تشهد هبوطا وصعودا في التوتر طالما استمر التوتر في الملف الفلسطيني الذي لا يزال يشكل لب الصراع ليس فقط بين إسرائيل والعرب بل أيضا بين إسرائيل والعالم الإسلامي، الذي يعتبر تركيا أحد أهم أقطابه.


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *