إنّ واقع الكنائس المسيحيّة مريرٌ ومؤلِـمٌ جدًا، خاصة عندما نرى كنيسة المسيح وقد تجزأت وانقسمت إلى العديد من الكنائس، بحيث أصبح هذا الانقسام وهذا العدد المتزايد من الكنائس المختلفة مثار شك عند المسيحيِّين الحاليين، وعند الذين يرغبون في دخول كنيسة المسيح من الأديان الأخرى، فيقعون في الحيرة، ولا يعرفون أيًّا من هذه الكنائس هي الأصح، وأيّها التي تنطق باسم المسيح وكنيسته الحقيقيّة. مما لا شك فيه أنّ أسباب هذه الانقسامات ومنذ بداياتها الأولى وحتّى الآن هي أسبابٌ تتعلّق بالأشخاص الذين كانوا وراء تلك الانقسامات ولا تتعلّق بشخص المسيح ورسالته وكنيسته، وما تلك الفوارق بين كنيسةٍ وأخرى إلّا هي من صنع هؤلاء الأشخاص أنفسهم لكي يقدِّموا المبررات لتلك الانقسامات، متناسين أنّ الشيطان الذي يزرع الزؤان هو وراء تلك الانقسامات، وهو الشيطان نفسه الذي قال عنه السيّد المسيح للقدّيس بطرس: “ها إنّ الشيطان قد طلب أن يغربلكم كما تُغربَل الحنطة، ولكنّي صلَّيت من أجلك، وأنت متى عدت فثبِّت إخوتك”.
إنّ الانقسامات قديمة حتّى إنّ تلاميذ يسوع تنازعوا فيما بينهم على السّلطة وحبّ المناصب، ناسين رسالة المسيح، فتراهم يسألون يسوع مَن تراه الأكبر في ملكوت السموات، كما نرى أم ابني زبدى يعقوب ويوحنا تطلب لولديها المناصب: مُرْ أن يجلس ابناي هذان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك في ملكوتك، ولكنّ السيّد المسيح كان واضحًا إذ قال: “مَن أراد أن يكون كبيرًا فيكم فليكن لكم خادمًا، ومن أراد أن يكون الأول فيكم فليكن لكم عبدًا”. لقد دبّ مثل هذا الفساد في الكنيسة منذ نشأتها، ولا يزال يأخذ أشكالاً مختلفةً مع الأسف حتّى الآن، إذ كتب القدّيس بولس الى كنيسة أهل كورنثس محذِّرًا: “أناشدكم أيّها الإخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تكونوا جميعًا على وفاقٍ في الرأي، وألّا يكون بينكم شقاق، بل كونوا على وئام تام، لكم روحٌ واحدٌ وفكرٌ واحد”. وقد رفض انقسامهم: “أنا مع بولس، وأنا مع أبلُّس، وأنا مع صخر، وأنا مع المسيح”، قائلاً لهم: “أترى المسيح انقسم؟ أبولس صُلِبَ من أجلكم أم باسم بولس قبلتم المعمودية؟
أمام هذا الواقع المرير، ماذا علينا أن نعمل: علينا أن نشعر بوجود خللٍ ومشكلةٍ في كنيسة المسيح، وأنّ المسؤولين في كنيسة المسيح ومن بعدهم المسيحيِّين جميعًا مطالبون بإصلاح هذا الخلل، لأنّه لا يجوز رؤية خطر الانقسامات تهدِّد وحدة الكنيسة، ولا يجوز أن نشعر بأنّنا بعيدون عن رغبة المسيح في وحدة الكنيسة ونبقى متفرِّجين منقسمين بدلاً من أن نكون متَّحدين في كنيسةٍ واحدة. علينا أن نتألـَّم لهذا الواقع المرير من الانقسامات بين المسيحيِّين وفي الكنيسة، لأنّنا معنيُّون بهذا الأمر ومعنيُّون بالكنيسة، لا بل نحن الكنيسة لأنّها بيتنا، ومَن منّا لا يتألّم لأيّ انقسامٍ يحدث بين أفراد الأسرة الواحدة؟
إنّ عيش الكتاب المقدّس من قبل المسؤولين والمؤمنين في الكنيسة من حيث المحبّة والخدمة والتسامح ما هو إلّا طريقٌ لتنقية القلوب، وتصفية النفوس، وتكاتف الجهود، وتجنيد الطاقات من أجل الوحدة المسيحيّة. علينا التوقُّف عن توجيه التهم والانتقادات لبعضنا البعض ولكنائسنا المختلفة، وأن نتوقَّف عن الاعتقاد بأنّ مفاتيح ملكوت السموات هي في كنيستنا دون غيرها، وهذا يتطلّب أن تسود المحبّة بين رؤساء الكنائس وجميع المسيحيِّين حتّى لو كان هناك اختلافٌ في الرأي والعقيدة، لأنّه لا يمكن أن نعيش الحقيقة وننادي بها بدون أن نعيش المحبّة، فالله محبّة وبهذا يعرف الجميع أنّكم تلاميذي إذا كنتم تُحِبُّون بعضكم بعضًا.
لنصلِّي من أجل وحدة المسيحيِّين ومن أجل تحقيق وحدة الكنيسة، وأن نضم صلاتنا إلى صلاة السيّد المسيح من أجل الوحدة: “لا أدعو لهم وحدهم، بل أدعوا أيضًا للذين يؤمنون بي عن كلامهم فليكونوا بأجمعهم واحدًا، لتكون فيهم المحبّة التي أحببتني إيّاها وأكون أنا فيهم”. علينا ألّا ننسى الصلاة بشكلٍ خاص لأن تتكرَّم السيّدة العذراء التي تدعوها الكنيسة وبحقٍّ أم الكنيسة لأن تصلي من أجلنا ومن أجل أن تجمع أبناءها كما جمعتهم يومًا في علية صهيون في الصلاة بانتظار الروح القدس، وأن نفعل ما قالته يومًا للخدم: “افعلوا ما يأمركم به يسوع” لكي نُحقِّق رغبة المسيح في وحدة المسيحيِّين وكنيستهم.
وأخيرًا لنصلِّي من أجل وحدة المسيحيِّين والكنيسة قائلين: “أيّها الربّ يسوع، يا مَن في ليلة إقبالك على الموت من أجلنا، صلَّيتَ ليكون تلاميذك بأجمعهم واحدًا كما أنّ الآب فيك وأنت فيه، اجعلنا أن نشعر بعدم أمانتنا ونتألَّم لانقسامنا، أعطنا صدقًا فنعرف حقيقتنا، وشجاعةً فنطرح عنا ما يكمن فينا من لامُبالاة، ومن عداءٍ متبادل، وامنحنا يا رب أن نجتمع كلّنا فيك، فتُصعد قلوبنا وأفواهنا بلا انقطاعٍ صلاتك من أجل وحدة المسيحيِّين كما تريدها أنت وبالسُبل التي تُريد، ولنجد فيك يا أيّها المحبّة الكاملة، الطريق الذي يقود الى الوحدة في الطاعة لمحبّتك وحقّك، آمين”.

الوحدة المسيحيّة
مراسل حيفا نت | 30/01/2017










