أوصلته "التغريبة الفلسطينية" إلى كندا الواقعة أقصى المعمورة، بلد بعيد يترامى خلف المحيطات. رغم بعد كندا عن بلاده وشتات المنفى القسري لا يزال يحتفظ في ذاكرته بكل مشاهد حياته الماضية بأدق تفاصيلها. يسترجعها دائما من خبايا ذلك الزمن البعيد.
يتذكر حيفا ويكتب عنها كأنه خرج منها تواً.. أية مُخيلة وذاكرة لهذا الكاتب الشُجاع. اقتلع من بيته مثلما يقتلع الزيتون من جذوره هذه الايام! لكن عبيره يبقى خالدا بباطن الأرض. غُيب عن شُرفة بيته المُطلة على البحر، انتزع قسرا من مدرسته (مدرسة البرج) التي علمته فك الحرف. اغتيلت طفولته في حيفا.
واغتيلت ساعات اللعب مع أطفال الحارة في ساحة البيت والتجوال في أحياء المدينة، صعودا سيرا على الاقدام، عبر الأدراج إلى الكرمل وقضاء ساعات في أحضان الطبيعة.
وأية طبيعة لهذا الجبل الذي تزينه أشجار السنديان والبلوط والزعرور والخروب، وتفترشه سجادة ملونة من الزهور. الدحنون والنرجس وشقائق النعمان، هذه هي تفاصيل الوطن التي تُزرع في الروح وقت بعثها إلى الحياة. تبقى راسخة في الذاكرة التي أنعم الله علينا بها مغايرة للنسيان.
الدكتور سميح مسعود ولد في عام 1938 في مسقط رأسه ومهد صباه حيفا. لعائلة أصلها من قرية بُرقة المجاورة لمدينة نابلس. يعمل حاليا مديرا (للمركز الكندي لدراسات الشرق الأوسط في مدينة مونتريال) في كندا.
تُضيء حياته الكثير من الصور والمشاهد في حيفا منها المُفرحة ومنها المُحزنة.
التقيته في حيفا قبل أسبوعين في أمسية إشهار كتابه (حيفا … بُرقة البحث عن الجذور).التي بادر لتنظيمها الدكتور جوني منصور بالتعاون مع (نادي حيفا الثقافي) و(الكلية العربية الأرثوذكسية).
صبيحة ذلك اليوم هاتفته لكي ألتقيه بعد أن قرأت كتابه، للتعرف على ابن حيفا المفعم بروح التعلق بها وحبها. ومن أجل الكتابة عن ذكرياته فيها. اتفقنا على أن نلتقي قبل الأمسية بنصف ساعة.
وثمة رونق خاص للمصادفات غير العادية، ففي ذاك اليوم كانت لي مقابلة مع مُهجر من قرية (أم الزينات) يسكن في حي الحليصة من أجل كتابة روايته الشفوية. ومن خلال حديثي معه قال لي: "بعدما لجأنا إلى قرية (دالية الكرمل) بفترة قامت السلطة بترحيلنا إلى (قرية بُرقة). ويا لها من مُصادفات جميلة، إنها المرة الثانية التي أسمع فيها اسم بُرقة هذا الأسبوع، وأعترف أنني لم أسمع بها من قبل.
تحدثنا قليلا لأن القاعة بدأت تعج بالحضور، اتفقنا أن نتم الحديث عبر الهاتف لأنه غادر البلاد في اليوم التالي، وهذا ما حصل.
سرد لي أحداث مؤلمة حد الوجع مر بها في حياته
منذ ولادته أصابه الشلل، أقعده طوال السنوات الخمس الأولى من حياته. لم يستطع المشي واللعب مع أترابه، بذل والديه أقصى جهودهم لعلاجه، تنقل بين المستشفيات والعيادات وأبرزها مستشفى (حمزة – رمبام اليوم).
يتذكر قائلا: "ذات يوم عاد والدي إلى البيت فرحاً، أخبر والدتي عن قدوم طبيب ألماني جديد إلى مستشفى "حمزة".
في وقت لاحق اصطحبني والداي لزيارة الطبيب. وبعد معاينتي أخبر أهلي بواسطة مترجم: "ابنكم أعصابه سليمة ومرضه قابل للشفاء، وكل ما يحتاجه هو تقوية عضلات رجليه، بتناول الأدوية بانتظام، والدوام على جلسات للعلاج الطبيعي لمدة عام". فأكد الدكتور (هانس) لوالديّ أنني سأسير على قدميّ بعد فترة العلاج.
"وبعد عام عدت، أو بالأحرى لأول مرة في حياتي أمارس وأعرف السير على الأقدام. جلت شوارع وحارات حيفا بدون تعب أو ملل، بل اكتشفت المعاني الجديدة للحياة التي جهلتها وأنا مقعد"
التهجير
بعد أحداث النكبة وسقوط حيفا صباح الخميس الموافق 22.4 عام 48. هُجر قسرا مع عائلته من حيفا. ولحسن حظهم أن لديهم بيتا آخر في قرية بُرقة حيث تعيش جدته. لكن هذا الحظ لم يشفع لسميح الطفل. فحيفا هي الأم الحنون التي احتضنته برهفة وهي الدم الذي يسري في وريده.
يا لقسوة هذا المُحتل الغريب على هذه الديار، يطرد الناس من بيوتهم من أجل الاستيلاء عليها.
يطرده من شارع الناصرة (بار يهودا اليوم). ويمحو موطئ قدميه ويسرق أحلام هذا الطفل! لا ينسى الطفل لحظة خروجه من شارع الناصرة ونقله في الحافلات مع مئات النازحين إلى خارج حيفا! كان عمره آنذاك عشرة أعوام. يتذكر كيف نظر إلى الخلف وعيناه تدمعان.
الزيارة الأولى لحيفا بعد مرور 57 عاما من الرحيل القسري.
في تموز عام 1995 حصل مسعود على الجنسية الكندية. قال لي: "وبعيدا عن التلاعب بالكلمات يهمني التأكيد هنا على أنها ليست بديلا لهويتي الوطنية، ولا يمكنها أن تنسيني قضيتي وناسي أو أن تقطع الحبل السُري الذي يربطني بكل ذرة تراب من بلادي".
حدثني عن زيارته الأولى لحيفا بعد مرور57 عاما على النكبة قائلا: "زرتها برفقة صديقي وزميلي في العمل المهندس علي بسطوس، أصله من المغرب، بعد أن كنا قد وصلنا إلى رام الله بمُهمة عمل، حيث باركت التزامن الجميل حصولي على الجنسية وسفري إلى رام الله في شهر واحد.
وقاد أحمد السيارة عندما وصلنا إلى مشارف حيفا وسألني: "أين أتجه الآن، أنا لا أعرف حيفا، ولم أزرها من قبل؟" نظر إلي متسائلا: "هل لا تزال تذكرها بعد تلك السنين؟" أجبته: "نعم أعرفها وكأنني لم أخرج منها طوال الخمسين سنة الماضية. حيفا وشم في مقلتيّ مهما طال الرحيل ستبقى ملك يدي". يكمل حديثه قائلا: "رُحلت منها قسرا، وكل تلك السنين الطويلة التي عشتها في الشتات لم تُنسني أحياء وشوارع حيفا ولا مكان منزلي في شارع الناصرة".
ويكمل حديثه قائلا: "فيما كنا ندخل المدينة من جهتها الغربية، طلبت من أحمد الاتجاه بسيارته شرقاً على امتداد شارع يافا، بموازاة شاطئ البحر الأبيض المتوسط، أوضحت لرفيقي ما نراه حولنا على الجهة اليسرى من الشارع: حي بات جليم، مكان مسبح العزازية، البور (الميناء) وفي لحظة طلبت منهما أن ينظرا إلى الجهة اليمنى العلوية من الشارع، حيث توجد منطقة الألمانية وفوقها الحدائق البهائية الغناء. وبعد قليل انحرفنا في شارع جانبي، وسرعان ما وصلنا حي وادي النسناس. وانتقلنا منه إلى أماكن لفحتها بعواطفي طوال ما يقرب نصف قرن، تمثل جزء هاماً من حياتي الماضية: ساحة الجرينة، وحارة الكنائس، ووادي الصليب، وساحة الحناطير (الخمرة) وجامع الاستقلال ، وعامود فيصل. مررنا بكل هذه الأماكن.. ثم طلبت من أحمد مواصلة السير بخط مستقيم إلى ما بعد مسجد الاستقلال.. اقتربنا من زقاق الحجاز، وبعدها
صرخت بأعلى صوتي: "هذا شارعي، شارع الناصرة". "أخرجت رأسي من نافذة السيارة لأرى كل شيء حولي بوضوح أكثر، اعتراني اضطراب وأنا أرى المحلات التي أغلقت قبل زمن بعيد: مقهى العجمي، ودكان أبو العبد قريب والدي، ومصبغة الكرنك ومعمل الثلج الوطني وغيرها من المحلات. وبيوت الجيران اغلقت شبابيكها بالطين ومنزل العائلة حاله من حال بيوت الجيران، .ثم عرجنّا إلى جبل الكرمل ومشهد حيفا البانورامي هزني .. هزني جمال المدينة وجعلني أقول بصوت عال:
حيفا هنا، إني هنا، البحر يجمع بيننا، واللوز والزيتون والقمر.. حيفا هنا أنا هنا اتي إليك اليوم أعتمر، خمسون عاما وهذا اليوم أنتظر، خمسون مرت غزاها الشيب والكبر".
الزيارة الثانية كانت بعد خمسة عشر عاما من الأولى في عام 2010
مقالته المعنونة "البحث عن الجذور" التي نشرها في جريدة الاتحاد عام 2009 هي التي جمعت بينه وبين عائلته..
عن ذلك حدثني قائلا: "بتاريخ 17 تموز 2009 نشرت مقالةً عبر صفحات الاتحاد بعنوان "البحث عن الجذور" بينّت فيها اهتمامي بالبحث عن الجذور في فلسطين ما قبل النكبة، ليس من أجل البكاء على الأطلال، بل من أجل استحضار لمحات من حياة أهلنا الماضية بمختلف مشاهدها وأحداثها وأوجاعها ومآثرها التراثية والعمرانية، بهدف توثيقها وتسجيل صفحات من التاريخ الشفوي بصوت عال، ومزيد من الأقوال والتفاصيل…
بعد عدة أيام من نشر المقالة، وفيما كنت أتصفح بريدي الإلكتروني عثرت على رسالة من سيدة لم أسمع باسمها من قبل، عرّفت نفسها باسم منى دراوشة من بلدة إكسال قرب الناصرة، استهلت رسالتها بعبارات مفادها أن أختها الكبرى حسناء قرأت مقالتي المنشورة في الاتحاد واكتشفت منها أني أمتّ بصلة قربى مع جدتها "نجية". بينت لي بوضوح في رسالتها أن أخوال جدتها يحملون اسم عائلتي، وذكرت أدلة كثيرة بينها أسماء لبعض أعمامي، وأثبتت لي بها، بدقة حقيقية، تلك القرابة". فما كان لمسعود إلا أن يأتي بعد فترة قصيرة إلى البلاد ليتعرف على أقربائه من قرية برقة. ومن يومها حتى اليوم يتواصلون بشكل دائم.
الزيارة الثالثة إلى حيفا كانت عام 2011 تعيد سميح إلى مستشفى (حمزة –رمبام) مره أخرى كأن القدر يريد أن يقول له شيئا ما!!
في عام 2011 زار حيفا.
وبعد ثلاثة وستين عاما يعود مشهد مؤلم لحياته كمشهد مولده. قال لي: "جئت إلى حيفا لزيارة الأقارب. بجولة لي معهم في حيفا ولمنزل العائلة. بعد مشوار طويل ذهبنا لتناول طعام الغداء في (مطعم فتوش) في حي الألمانية بعد أن قضينا يوما طويلا في التجوال بحيفا، شعرت بصداع لا يطاق مع بدء رجفة بيديّ الاثنتين. توجهت حالا مع قريبي عبد السلام لمراجعة طبيب أخصائي الأعصاب في المستشفى الإنجليزي في الناصرة بناء على اقتراحه. بعد معاينة الطبيب لحالتي تبين أنه لدي نزيف في مرحلة مبكرة نتيجة ضربة في الراس. ويمكن إيقافه بعملية جراحية، يجب أن تجري في أقرب وقت ممكن، شرح لي الطبيب أن أفضل مكان لإجراء العملية هو مستشفى رمبام في حيفا…
بالنسبة لي كان قدري مدهشا مع هذا المستشفى حيث دخلته بطفولتي مشلولا مع والدي قبل التهجير، واليوم أعود إليه لإنقاذ جسدي من الشلل، مع أهلي الذين عرفتهم قبل عام. حين وصلت أبواب مستشفى رمبام، تسمرت عيناي على موقع كلمات يافطة قديمة كانت تحمل اسما آخر، نظرت إلى موقعها مشدود الأجفان كأني أرى اسم مستشفى "حمزة" ثانية، خيل لي أنني سأرى طبيبي (هانس) وأمي وأبي يجرانني بالعربة!! لكن تبدل اسمه إلى رمبام وهذه الكلمة مختصرة لاسم موسى بن ميمون الطبيب والفيلسوف الأندلسي الشهير".
يتابع القول: " قبل العملية اختليت بقريبي عبد السلام، وأوصيته في حالة وفاتي أن أدفن في حيفا على مقربة من ضريح إميل حبيبي وأن يكتب على قبري "أنا من هنا" اخترت أن أجاوره لأنه أوصى أن يكتب على ضريحه "باق في حيفا" وبحمد الله اجتزت العملية بنجاح.
بستان الخياط
حدثني عن بستان الخياط وجماله وقضاء الساعات الجميلة هناك برفقة الأهل حيث يذكر أن والده قال له ذات يوم: "هذا البستان قطعة من الجنة".
وأنا بدوري أخذت كتابه (حيفا.. بُرقة، البحث عن الجذور) بعد لقائي به بأيام زرت البستان، وظهر في الكتاب وصف مدهش عنه. قمت بوضع الكتاب على شجرة تين وصورته وأرسلتها له عبر البريد الإلكتروني مما أثار إعجابه.
دراسته وأعماله
حصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة بلغراد (1967). عمل سابقا: مستشارًا اقتصاديًا لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) (مؤسسة إقليمية عربية مقرها الكويت)، وللصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، (مؤسسة عربية إقليمية منبثقة عن جامعة الدول العربية مقرها الكويت).
عمل مديرًا للبحوث في المؤسسة العربية لضمان الاستثمار (مؤسسة عربية إقليمية منبثقة عن جامعة الدول العربية مقرها الكويت)، ومديرًاً للاستثمار في شركة أفاركو الدولية ومقرها الكويت، وخبيرًاً لتقويم المشروعات في الإدارة العامة لمنطقة الشعبية الصناعية التابعة (وقتذاك) لوزارة المالية الكويتية.
انتخب في عام 1990 رئيسًا للاتحاد العام للاقتصاديين الفلسطينيين – فرع الكويت. ساهم في أعمال عدد من اللجان التابعة للأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وساهم في عدد من المؤتمرات والندوات العربية والدولية في مجال النفط والتنمية والاستثمار والتمويل والتكامل الاقتصادي العربي. ساهم في تأسيس الصالون الثقافي الأندلسي في مونتريال كرافد ثقافي للمركز الكندي لدراسات الشرق الأوسط .
إصداراته ومؤلفاتة
كتاب حيفا… برقة، البحث عن الجذور – رواية تسجيلية، 2013
نشر مجموعة شعرية بعنوان "الوجه الأخر للأيام" عن دار فضاءات
للنشر والتوزيع، عمان، 2011 .
نشر مجموعة نثرية بعنوان "رؤى وتأملات" عن دار فضاءات
للنشر والتوزيع، عمان، 2012 .
صدر له خمسة عشر كتابا في مختف المجالات الاقتصادية باللغتين العربية والانجليزية منها:
دليل المشروعات العربية المشتركة، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) الكويت وتونس،1982.
المشروعات العربية المشتركة، الواقع والآفاق، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1988 .
الموسوعة الاقتصادية (جزءان)، دار الشروق، عمان – رام الله، 2010 .
تحديات التنمية العربية، دار الشروق، عمان – رام الله، 2010 .
قضايا اقتصادية عربية، دار الشروق، عمان- رام الله،2010.
وجهة نظر اقتصادية ، دار الشروق، عمان – رام الله، 2011.
الأزمة المالية العالمية، نهاية الليبيرالية المتوحشة، دار الشروق، عمان – رام الله ،2011 .
اليوم يتنقل ما بين كندا وعمان وهو يحمل الجنسيتين، متزوج من رويدة ناطور من مواليد مدينة قلنسوة، تعمل كصيدلانية، أنجبا ثلاثة أبناء فادي يعيش ويعمل في شيكاغو، هاني ووليد يعيشان ويعملان في دبي. يسكن في الصويفية في عمان. قام ببناء منزل كبير للعائلة وجناح خاص يحمل محفوظات والديه من الوطن، دعاني لزيارته والاطلاع على المتحف الذي يجمع مئات المحفوظات من أثواب والدته الفلسطينية إلى ماكنة الخياطة وإلى كاميرا والده وغيرها. سألبي الدعوة قريبا إن شاء الله.
أخيرا أجاب على سؤال وجهته له لماذا تسكن عمان طالما أنك تعمل في كندا؟
أجابني: "لأنني أصلا لا أشجع هجرة العربي خارج بلاده العربية، إضافة إلى أن المركز الكندي لدراسات الشرق الأوسط الذي أنتمي اليه، يدعو في أهدافه ونشاطاته بصورة ملحة إلى تشجيع المهاجرين العرب على دعم دولهم العربية الأصلية بنتاج خبراتهم المكتسبة في المهجر، لمساعدتها على مواجهة تحدياتها الإنمائية، وفي هذا حملة تشجيعة للهجرة المعاكسة. والأمر الثاني لا أريد لأبنائي الضياع في الشتات، بنيت لهم بيتا كبيرا ليعودوا إليه متى شاؤوا علمتهم حب الوطن والارتباط والتمسك به، لا أريد لهم تغريبة فلسطينية كما حدث لي".
[foldergallery folder="wp-content/uploads/articles/67680955020131709093821"]











