مما لا يخفى على أحد أن المحاكم الشرعية تعج بالزبائن لفض الخلافات بين الأزواج، والتي تصل في كثير من الأحيان إلى الطلاق أو التفريق على يد لجنة التحكيم التي يعينها القاضي، والتي تتشكل من شخصين، للاستماع إلى ادعاءات الزوجين، والنظر في البينات، وفق مادة رقم 130 للأحوال الشخصية. فهذه اللجنة تجتمع مع كل من الزوجين في جلسة منفردة وسرية، وتضبط من خلالها أقوال الزوجين، ثم تعمل هذه اللجنة للصلح بينهما. ولكن الخطورة في هذه المرحلة تكمن بأن المادة 130 للأحوال الشخصية تلزم لجنة التحكيم، في حال تعذر الإصلاح، بأن تحكم بالتفريق، وبيان من هو المذنب من بينهما، وما هي نسبة الذنب. لأن الغاية من الزواج توفير الأمان والسكينة والسكن، فإن انعدمت هذه الأمور داخل البيت يتحول البيت إلى جحيم، مما سيشكل خطرا نفسيا أو فيزيائيا على أفراد الأسرة، من الأطفال والأزواج، وهذا ما لا يرضاه الشرع. قال تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة). فإن انعدمت الرحمة والمودة بين الزوجين، فلا قيمة لحياة زوجية بعدها. وبما أن الشرع يراعي خصوصية العباد، فقد أعطى هذا الحق في التحكيم للثقات من الأهل. قال تعالى: (فإن خفتم شقاقا بينهما فابعثوا حكما من أهله، وحكما من أهلها، أن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، إن الله كان عليما خبيرا). والحكمة من أن تكون لجنة التحكيم من الأهل أولا: لحفظ أسرار البيوت ثانيا: (ليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى). بمعنى أن الأهل إذا كانوا ممن يخافون الله ويقفون عند حدوده، فإنهم لا شك سيبذلون جهدا جبارا للصلح. ولانعدام معرفة عامة الناس للأحكام الشرعية، المتعلقة بالحياة الزوجية وحقوق الزوجين وأحكام الطلاق والزواج، فإن المحاكم الشرعية تختار لجان التحكيم من أناس، مشهود لهم بالصلاح والتقوى ومعرفة الأحكام الشرعية، أو أن يختار كل من الزوجين حكما عنه، يسميه للمحكمة، للنظر في هذه القضية. ويشترط أن يتفق الزوجان على ضرورة تعيين لجنة التحكيم. وقد جاء في المادة 1790 من كتاب "المرعي في القانون الشرعي" للدكتور مثقال ناطور: (التحكيم هو اتخاذ الخصمين برضاهما، حاكما يفصل خصومتهما ودعواهما، ويقال له "حكم بفتحتين"، ومُحكمٌ بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الكاف المفتوحة). وعلى لجنة التحكيم الاجتماع إلى الزوجين كل على حدة، والاستماع إلى ادعاءات كل منهما، وضبط الأقوال، والنظر في البينات، ومحاولة الإصلاح. وقد تعرض اللجنة شروطا معقولة شرعا للصلح. وإذا تعذر الصلح كما بينّا، فعلى لجنة التحكيم أن تحكم بالتفريق بين الزوجين، وأن تحدد اللجنة نسبة الذنب على كل من الزوجين. فإن كانت الزوجة هي المتسببة الوحيدة في دهورة الحياة الزوجية، أو الكارهة لزوجها، تحرم من مهرها المؤخر. وإن كان الزوج هو المتسبب في دهورة الحياة الزوجية، أو الكاره، فيحكم عليه بدفع المهر المؤخر بكامله. وإن تبين للجنة التحكيم أن كلا منهما متسبب في دهورة الحياة الزوجية، فيحكم المهر وفق هذه النسب. ولا يحق للجنة التحكيم أن تتعدى صلاحياتها المدونة في القانون الشرعي، وهي الإصلاح أو التفريق، والحكم بالمهر ولا شيء غير ذلك. قال تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا). أما إن كانت الزوجة كارهة لزوجها، ولا تستطيع توفير السعادة والسكن لزوجها، فعليها أن تخلص نفسها بالمخالعة، وهي أن ترد له ما أخذته من مهر، إذا أعطاها إياه أو تتنازل عنه، إذا كان المهر مؤجلا. وفي ذلك قال ابن رشد: (جعل الفداء للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق، فإنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا فرك المرأة، كرهها). جعل الخلع بيد المرأة فركت الرجل، ويجري هذه الأحكام لجنة التحكيم معتمدين على النصوص الثابتة مثال قوله تعالى: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله. فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به). وقد ذهب ابن عباس ومالك وجمهور أهل العلم، إلى تفسير ترك إقامة حدود الله، باستخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه). وقوله تعالى: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة). وقد فسر ابن كثير الفاحشة المبينة بالنشوز والعصيان. وذهب بعض أهل العلم إلى تفسيرها بالزنا. ويستند على جواز منع المرأة جزءً من مهرها أو كله، على هذه الآيات، وعلى ما رواه البخاري عن ابن عباس: (أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي فقالت: يا رسول الله: ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق، ولا دين، ولكني أكره الكفر بالإسلام. معناه (كراهيتها له وخوفها أن لا تؤديه حقه). فقال لها رسول الله: (أتردين عليه حديقته)؟ قالت: نعم. قال رسول الله: خذ الحديقة وطلقها تطليقة). وأخيرا: أنبه إلى أن الكثير من الشباب، عند عقد الزواج لا يعبأون بقيمة المهر المؤجل، بحجة أنه حبر على ورق، ولا يعتبرون أنه عقد له قدسيته. حتى وصل الأمر في بعض القرى والمدن العربية إلى أن يسجلوا مبلغ 500 ليرة ذهبية عثمانية عيار 24 قيراط. وهذا المبلغ، وإن كان الشرع لم يحرمه إلا أنه في حال الطلاق يؤدي إلى كثير من المشاكل. فالزوج لا يريد أن يحكم عليه بدفع المهر، ناسيا أنه هو الذي وافق عليه ووقع. والزوجة تطالب بالمهر، وقد تنسى أن المهر يعطى لها مقابل الالتزام بحقوق الزوجية، وفي حال أن اللجنة لم تستطيع الوصول إلى قناعة تامة أن الزوجة مذنبة، وفق ما ينص عليه الشرع، فإن اللجنة تحكم للمرأة بكامل مهرها، للقاعدة التي تقول: (المؤمنون عند عهودهم).






