عيد الفصح المجيد بين جذوره التاريخية والواقع الحياتي-د.جوني منصور- حيفا

مراسل حيفا نت | 11/04/2009

 

من أهم وأكبر الأعياد لدى المسيحيين على مختلف طوائفهم. يحيون فيه تذكار قيامة السيد المسيح من القبر وانتصاره على الموت، ولهذا يعرف العيد أيضا باسم "عيد القيامة"(العيد الكبير)

أما سبب تسميته بـ"الفصح" فمن الكلمة العبرانية الأصل "פסח" (پيساح) ومعناها "عبور" أو "إجتياز". ولدى اليهود عيد كبير، بل أكبر أعيادهم، يحمل نفس الاسم، ولكن معناه مختلف. فالفصح اليهودي هو تذكار لعبور النبي موسى وبني إسرائيل من مصر حيث كانوا تحت عبودية فرعون ملكها، إلى صحراء سيناء حيث نالوا الحرية وتحرروا من قيود الاستعباد. أما عند المسيحيين فبقي اسم العيد "فصح"، ولكنه يحمل معنى آخر، ألا وهو عبور السيد المسيح من الموت إلى الحياة – القيامة. وهذا العبور هو أساس العقيدة الدينية عند المسيحيين كافة.

ويُطلق اسم "العيد الكبير" على هذه المناسبة لكونه أكبر الأعياد وأهمها في حياة المسيحيين الدينية والاجتماعية.

ويحل العيد في فصل الربيع في الفترة ما بين 22 آذار و 25 نيسان من كل عام، وهو من الأعياد المتنقلة، رغم وجود أعياد كثيرة ثابتة التواريخ عند المسيحيين.

2) النص الإنجيلي:

يفيدنا النص الإنجيلي في عدة مواقع بقيامة السيد المسيح في اليوم الثالث بعد صلبه ودفنه. وكان السيد المسيح قد أشار إلى أنه بإمكانه أن يهدم الهيكل ويبنيه في ثلاثة أيام. واعتقد اليهود أنه يقصد هيكل سليمان في أورشليم، وهذا أمر معجز بالنسبة لهم. أما هو فكان يقصد هدم وبناء جسده، (أي موته ودفنه وقيامته). ففي إنجيل مرقس (فصل 16: 1-8) ورد بالنسبة للقيامة، أنه: "لما انقضى السبت، اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وصالومي حنوطًا. ليأتين ويحنطن يسوع، وبكرن جدًا في أول الأسبوع، وأتين القبر وقد طلعت الشمس، وكن يقُلن فيما بينهن: من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر، وتطلعن فرأين الحجر قد دحرج وكان كبيرًا جدًا، فلما دخلن القبر رأين شابًا جالسًا عن اليمين عليه حلّة بيضاء، فانذهلن، فقال لهن، لا تنذهلن، إنكن تطلبن يسوع الناصري المصلوب، قد قام، ليس هو ههنا. وها الموضع الذي وضعوه فيه …".

 

3) الفصح في التقاليد الدينية:

تبدأ صلاة العيد – الفصح عن المسيحيين – عادة برتبة "الهجمة"، إما في منتصف الليل أو قبيل الفجر. ويلي هذه الرتبة، الاحتفال بالقداس الإلهي – أهم صلاة عند المسيحيين.

و"الهجمة" رتبة يجتمع فيها الكهنة والشعب ليلة العيد في الكنيسة، يرددون صلوات وتراتيل دينية، ثم يحمل كل واحد شمعة مضاءة، ويخرج الجميع ليقفوا خلف الباب الغربي للكنيسة وتُقفل الأبواب ولا يبقى أحد داخل الكنيسة، إلا شخص واحد يقف من خلف الباب من الداخل يلعب دور الشرير أو "شيطان الهجمة" كما يعرف شعبيًا.

يتقدم الكاهن ويقرع الباب بصليب خشبي قائلا: "انفتحي أيتها الابواب الدهرية ليدخل ملك المجد". فيجاوبه "شيطان الهجمة" من الداخل: "من هو هذا ملك المجد؟"، فيقول الكاهن: "هو الرب الشديد القوي، الرب الجبار في القتال، هذا هو ملك المجد". ويكرر ذلك ثلاث مرات بنفس السؤال والجواب، بحيث في المرة الثالثة والأخيرة تفتح الأبواب ويدخل الجميع مرنمين ترنيمة العيد الشهيرة: "المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور".

إن تقليد "الهجمة" لا يحمل أساسًا عقائديًا صرفًا، إنما جعلته الكنيسة تقليدًا دينيًا شعبيًا يرمز من خلاله إلى انتصار السيد المسيح على الشيطان، أي انتصار الحياة على الموت، ودخول النور الساطع من قبر المسيح إلى حياة الكنيسة طاردًا منها كل صنوف الشر والظلمة( ).

أما في القدس فيعرف هذا اليوم بـ"نزلة البطرك" أو "جلوة البطرك"، فيه ينزل بطريرك الروم بألبسته الكهنوتية الثمينة وتاجه المرصع بالحجارة الكريمة يتقدمه الاكليروس بمختلف مناصبه الدينية بأفخر ألبسته كما يتبعه رجال الحكومة وأعيان البلد. ويتوجه الجميع إلى كنيسة القيامة حيث يجري احتفال الفصح الكبير هناك( ).

4) الفصح في التقاليد الشعبية:

أ- "بيض العيد":

عادة قديمة جدًا، اتخذها المسيحيون في الشرق والغرب على كافة طوائفهم، ولقد كانت هذه العادة دارجة لدى شعوب أخرى قبل ظهور الديانة المسيحية وانتشارها في العالم، فالكنعانيون الذين استوطنوا فلسطين وسواحل لبنان وسوريا المطلة على البحر الأبيض المتوسط، اتخذوا البيضة رمزًا لعودة الحياة إلى الطبيعة في فصل الربيع، بعد أن تكون هذه الحياة رمزيًا قد ماتت في فصل الشتاء، فكانوا يحيون احتفالات دينية وشعبية يتهادون خلالها البيض رمزًا لهذه العادة.

ولقد كشفت الحفريات الأثرية في منطقتي الكرمل والحولة في فلسطين، وأوغاريت في سوريا عن قبور ونواويس فخارية صنعت بهيئة بيضة كانوا يُسجون فيها جثة الميت مطويًا، كما يكون الجنين في بطن أمه، اعتقادًا منهم أنه يعود من حيث أتى بنفس الطريقة.

وبعد ظهور المسيحية وانتشارها، انتقلت عادة استعمال البيض إلى عيد الفصح، لتتخذ معان مسيحية تختلف عن تلك التي كانت منتشرة وقائمة في الديانات الوثنية كالكنعانية.

ويفيدنا التاريخ المسيحي أن الملوك والأمراء كانوا يوزعون البيض على فقراء وبسطاء الشعب أثناء موسم عيد الفصح، ولم يتخلف عن هذه العادة الخلفاء والأمراء المسلمون في مصر وسوريا والعراق أثناء حكم الدولة العربية – الإسلامية، بل أنهم اتبعوها في مراكز حكمهم.

والعادة المتبعة أن تتم عملية سلق كمية من البيض، إذ أن البيض المسلوق هو قمة مأكولات العيد الرمزية، حتى أن العيد في مصر وبعض نواحي فلسطين يعرف باسم "عيد البيض".

ولماذا البيض المسلوق وليس النيء؟

التفسير الشعبي هو أنه عند فتح البيضة بعد كسرها يظهر أولا اللون الأبيض (البياض)، وهو يرمز إلى النور الأبيض المنبعث من قبر المسيح عند حدوث القيامة. بمعنى آخر أن البيضة ترمز إلى القبر الجامد المغلق الذي تنبعث منه الحياة عندما يخرج "الصوص" حيًّا منها – من البيضة؛ لذلك، البيضة رمز للسيد المسيح الذي لم يضبطه قبر، بل انبثقت وانبعثت الحياة من داخل القبر الذي احتوى جسده.

ولا يكتفي الناس بسلق البيض فقط، إنما يقومون بتلوينه بألوان عديدة، فمثلاً، قديمًا كانوا يضعون في الماء الذي يحتوي البيض قشور بصل بلدي أو كمية من الشاي. ومنهم من كان يضع مع البيض أوراق نبتة "الصفير" أو "الصفار" فيتخذ البيض اللون الذي يتلاءم مع ما وضع في الماء. أما حديثًا، فيقوم الناس بشراء الأصباغ الجاهزة بألوان مختلفة توضع في أوعية عدة لسلق البيض.

وكذلك ظاهرة حديثة آخذة بالانتشار، وهي شراء قطع نايلون لاصقة توضع حول البيضة المسلوقة، رسمت عليها أشكال جميلة من نباتات وطيور وغيرها.

والمألوف لدى أجدادنا قديمًا، أنهم كانوا يأخذون البيض المسلوق موضوعًا فوق طبق إلى الكنيسة ليلة العيد ليباركه الكاهن قبل تناوله. ومنهم من كان يوزع البيض المسلوق على المحتفلين بالكنيسة رمزًا للعيد.

ولا تقتصر عادة تحضير وأكل البيض على تزيينه إنما يتحول البيض ليصبح جزءًا من الألعاب الشعبية، خاصة لدى الأولاد. وتعرف هذه الألعاب باسم "المفاقسة"، حيث يقوم كل ولد باختيار أفضل وأجود أنواع البيض، خاصة الصلب منه ويفحصه بطريقة ضرب البيضة بأسنانه بصورة خفيفة ويستمع إلى صلابة البيض. وينطلق بعدها مع كمية من البيض إلى الحارة حيث يتجمع عدد من الأولاد مُحملين بالبيض المسلوق غالبًا. ومنهم من يستعمل النيء. وتتم المفاقسة بطريقة ضرب الطرف الضيق من البيضة ويعرف باسم "الراس"، مع رأس البيضة المنافسة. ثم ضرب الجهة العريضة وتعرف باسم "العيز". ومنهم من يفاقس بطن البيضة مع بطن البيضة المنافسة( ).

ويضع الأولاد قوانينهم أثناء عمليات المفاقسة، مثال على ذلك، إظهار البيضة وعرضها وتقليبها أمام المنافس الآخر. أو أن يطلب أحدهم فحص البيضة التي بحوزة الخصم، ليتمكن من اختيار بيضة تصمد أمام تلك. وهنا يقدم المتنافس البيضة للمنافس الآخر ويقول له "صون" وهي (على ما أعتقد) فعل الأمر صُنْ من الفعل صان يصون… وكأن المنافس الأول يطلب من المنافس الذي يريد أن يفحص البيضة أن يصونها ويحافظ عليها لئلا تنكسر وهو يدقها بأسنانه الأمامية ليفحص مدى صلابتها. ويقيم الأولاد تحالفات فيما بينهم لتجميع أكبر كمية ممكنة من البيض، ثم اقتسام ما يربحونه.

أكثر نوع بيض دارج للأولاد في ألعاب المفاقسة هو بيض الدجاج، ولكن يوجد بعض الأولاد الذين يستعملون بيض الفرعون، وهو بيض لطيور داجنة، تمتاز البيضة الواحدة بصغر حجمها وصلابتها وصعوبة كسرها.

 

ب- حلويات العيد:

ما يميز حلويات هذا العيد أنها محصورة في شيئين أساسيين هما الكعك والمعمول، رغم أن حديثًا ازدادت أشكال التفنن في صنعها وتصميم شكلها، ولكنها تبقى ضمن إطارها الأصلي.

فعادة صنع الكعك المحشو بعجوة التمر قديمة في الأوساط المسيحية في منطقتنا، ولكنها أكثر شهرة وانتشارا في مصر وفلسطين ولبنان وسوريا وشرقي الأردن، فكعك العيد، والذي يعرف في بعض المواقع بـ"الزرد" مصنوع من طحين قمح أو سميد فيه عجوة التمر، يُنقش عليه من الخارج بواسطة ملقط أعدّ خصيصًا لهذه الغاية، مصنوع من النحاس أو الألمنيوم، والكعكة بهذا الشكل الدائري ترمز إلى إكليل الشوك الذي وضعه الجنود الرومان على رأس السيد المسيح قبل صلبه، كجزء من عمليات التعذيب والعقاب.

أما النوع الثاني من الكعك فهو مصنوع كسابقه من الطحين المليء بالعجوة بشكل دائري يُدخل في قالب خشبي يعرف باسم "الطابع"، وتخرج منه قطعة الكعك بعد ضرب طرف الطابع على الطاولة. وتظهر على القطعة نقوش عديدة، مثل إشارة الصليب ورموز مسيحية أخرى هي ذاتها منقوشة داخل الطابع.

والنوع الثالث من الحلويات "المعمول"، وهو عبارة عن قطعة من العجين مصنوعة بشكل هرمي، يُحشى داخلها بجوز ولوز مفروم وسكر، وتغلق حبة المعمول بقطعة عجين أخرى، وحبة المعمول ترمز إلى قبر المسيح، وفق المفهوم الشعبي. وتؤكل من أعلى الهرم للدلالة على فتح قبر المسيح وقيامته من الموت.

"ومن المعروف أن الكعك أعد من قبل قدماء المصريين وكانوا يضعونه في قبور موتاهم. كما أحسنوا به إلى الفقراء. ويبدو أن المصريين (وغيرهم طبعًا كالسوريين واللبنانيين والفلسطينيين – المؤلف) ما زالوا ينقشون كعكة العيد بنقوش تمثل أشعة الشمس إلى يومنا هذا". يبدو أن عادة الكعك ترمز إلى الاحتفال بالفرح، وهي بذلك ليست حديثة، بل قديمة جدًا، وكانت منتشرة في المساحة المعروفة بالهلال الخصيب. "وفي العراق فقد عرفت كعكة التمر باسم "نيندا مرسو"، حيث كانت العجينة تزين وذلك بضغطها على قالب فخاري منقوش، وتطيب بالتوابل المطحونة من الكزبرة والكمون، أو كانت تُطيب بحبة المحلب، والمحلب هو اللب من نواة ثمرة الكرز الأسود. ولا يزال العجين يطيب في العراق (وكذلك في بلدان أخرى) اليوم بحبة المحلب أو بمزيج يُسمى حوائج الكليجة، وهو مزيج من حبة الحلوة (شمار) وحبة السودة (صنوج أو حبة البركة). وتظهر كعكة العيد في كتب الطبخ العباسية تحت اسم "أُرنين" (بضم الألف) أو خبز الأبازير حيث تُحشى بالتمر أو باللوز أو بالفستق وتضغط بقالب من خشب الحق (وعلى الأغلب يكون منقوشًا)، ومن المعروف أن جميع أنواع الحشو لا تزال متبعة إلى اليوم"( ). ليس فقط في حدود الهلال الخصيب، بل أيضًا في تجمعات الجاليات العربية في المهجر، في أوروبا، والأمريكتين وأوستراليا.

وكانت العادة، وما تزال، أن تجتمع نساء الحارة أو الجارات قبل عيد الفصح بأسبوع على الأقل (وهو ما يعرف بأسبوع الآلام) في بيت إحداهن، ويبدأن بعملية عجن وخبز الكعك وتحضير المعمول، وطبعًا لكل واحدة منهن خبرتها واجتهادها في تقدير الكميات. وكذلك هذه مناسبة جيدة لتبادل أطراف الحديث ومعرفة أخبار القرية أو الجيران. ثم ينتقلن في اليوم التالي لبيت آخر، وهكذا إلى انتهاء الأسبوع حيث تكون كل ربة منزل قد أعدت حاجتها من الحلويات للعيد.

واعتادت أسرنا منذ القدم وحتى يومنا هذا، إرسال وعاء يحتوي كمية من الكعك والمعمول إلى العائلات التي فقدت أحد أفرادها خلال العام. لأن من عادتنا أن العائلات الحزينة لا تُحضّر كعك العيد بسبب الحداد. وتدأب كل ربة منزل على أن ترسل الكعك والمعمول إلى المقربين إليها من هذه العائلات.

وقديمًا كانت عمليات الخبز تجري في أفران حطب خارج البيت. أما في المدن فوجدت أفران كبيرة تستعمل الحطب أو المازوت، فكان صاحب الفرن (الفرّان) يسجل أسماء العائلات بالترتيب. ويبدأ بعملية الخبز. وكانت أجرته إما نقدًا أو أن يأخذ كمية من الكعك والمعمول. وهو بدوره يبيعها لمن لا يصنع كعكًا في بيته.

ت- أكلات العيد:

لا توجد أكلات خاصة ومميزة لهذا العيد، لأن البيض والكعك يرمزان كثيرًا إلى الاحتفال به. إنما شاعت، وما تزال، بعض الأكلات المعروفة بهذه المناسبة مثل المحاشي (الكوسا والقرع والباذنجان وورق الدوالي محشوا بالأرز واللحم)، وكذلك حشوة الأرز والدجاج المسلوق ثم القلي بالسمن أو الزيت المتبل بأنواع مختلفة من التوابل التي تضيف طعمًا لذيذًا.

ومن الأسر من تفضل تجهيز مائدة حافلة بأنواع السلطات إضافة إلى اللحم المشوي.

 

ث- تنظيف وتجهيز البيت:

خطوة هامة وأساسية تبدأها ربة المنزل مع بناتها في الأسبوع السابق للعيد، وهو أسبوع عمل صعب للغاية. إذ تخرج فراش النوم والأغطية (اللحف) والوسائد (المخدات) من البيت للتهوئة، ثم تُنظف البيت بشكل أساسي مع جدرانه، والأوعية والخزائن. وكل هذا ما هو إلا دليل على شعور داخلي لدى الناس بوجوب دخول عيد الفصح بنظافة تشبه البياض، كما أن الفصح هو رمز للبياض وللحياة المتجددة.

 

ج- الملابس الجديدة:

يهتم الناس في هذا العيد بالاستعداد الكامل والشامل في كل مناحي الحياة. وتغلب المظاهر الخارجية على مجمل هذه الاستعدادات، لأن المظهر الخارجي يعكس وضعًا اجتماعيًا واقتصاديًا. وأهم شيء في ذلك  شراء  الملابس الجديدة، إذ أن الناس اعتادوا من أقدم العصور

ارتداء الملابس الجديدة واللامعة في أعيادهم.

وتجدر الإشارة – كما سمعنا من بعض الكبار – إلى أن ارتداء الملابس الجديدة يوم العيد بالذات ناتج عن ارتداء ملابس بسيطة طيلة أسبوع الآلام والصيام اللذين يسبقان العيد: وعليه فإن المثل الشعبي يؤكد ضرورة ارتداء الجديد، إذ يقول: "لبس الجديد في العيد". ونريد أن نظهر هنا أن اللباس الجديد له مدلول روحي كبير، إذ يرمز إلى نزع الثوب القديم – العتيق البالي، أي نزع الخطيئة ودوس الموت والانتصار عليه بقيامة المسيح من الموت رافعًا الإنسان إلى مكانته الأصلية، ولهذا فاللباس الجديد هو رمز للحياة المتجددة.

 

ح- المصافحة والمصالحة:

وهذا التقليد في أساسه ديني، إذ أنه أثناء الصلاة، خلال قداس العيد، يتقدم الكاهن حاملاً بين يديه الإنجيل المقدس، ويقف أمام الشعب الذي بدوره يتوجه نحوه ويُقَبّل كل واحد بدوره الإنجيل، علامة على المصالحة مع الله.

ولقد انتقل هذا التقليد الديني إلى الأوساط الشعبية، إذ دأب أصحاب الشأن ووجوه القوم على مصالحة المتخاصمين في هذا اليوم بالذات، لأنه يوم المصالحة ويوم السلام ومبعث الحياة.

 

خ- المعايدات:

درجت العادة، وما تزال قائمة في بعض الأوساط المسيحية على القيام بمعايدة بعضهم البعض من خلال زيارات قصيرة للبيوت، حيث يقدم فيها أصحاب البيوت كعك العيد والبيض المسلوق على معايديهم، ومنهم من يُقدّم النبيذ مع الكعك والمعمول. وتكون المعايدة بقولهم: "المسيح قام"، فيجيب أصحاب البيت "حقًا قام"، ولا حاجة للمعايدة العادية التقليدية "كل عام وأنتم بخير"، رغم أن كثيرين يستعملونها.

وانتشر تقليد (ما يزال في بعض القرى) قيام وجيه العائلة بدعوة أبناء عائلته لتناول الطعام إلى مائدته كمظهر للمباهاة ولترسيخ مركز وجاهته وزعامته أمام العائلات الأخرى. وأحيانًا، تقوم الحمولة بكاملها بزيارات المعايدة كمظهر لتماسكها وإظهار قوتها أمام أبناء البلدة( ).

ومعايدة لا بُدَّ منها في هذا العيد – بل هي أساسية، أن يقوم الكاهن يرافقه أبناء كنيسته بزيارة البيوت التي فقدت أحد أفرادها في الفترة الواقعة بين عيد الفصح السابق والعيد الحالي، مقدمين التعزية وراجين أن تكون سنتهم سنة خير وبركة دون مكروه، وتعرف هذه الزيارة – وهي ليست بمفهوم المعايدة الفرحة – بـ"أول عيد يمر على المكسور خاطرهم".

وبسبب انتشار القرية على مساحات واسعة أخذ أفراد العائلات الحزينة بالوقوف في ساحة الكنيسة بعد انتهاء صلاة العيد، حيث يعايد عليهم الكاهن ومرافقوه.

أما في المدينة فهذه العادة قائمة، ولكن بين الأقرباء والأصدقاء، وفي البيوت على الأغلب.

وتشير هذه العادة إلى الترابط والتكافل الاجتماعي بين أفراد وجماعات المجتمع الواحد، وكذلك إلى المشاركة الأخوية في الأحزان، كما هو الحال في الأفراح.

5) الفصح في الأدب العربي:

كان المسيحيون، وما يزالون، يصومون صومًا قبل الفصح يعرف باسم "الصوم الأربعيني" لأن مدته أكثر من أربعين يومًا ببضعة أيّام، وهذه بعض النماذج الشعرية والأدبية التي وردت في كتب الأدب العربي، التي لها علاقة بالفصح.

 

ينشد سيبويه:

صدّت كما صدّ عمّا لا يحلّ له     

                         ساقي نصارى قُبيلَ الفصح صَوّامُ

قال الأعشى يمدح هوذة بن علي النصراني الذي أطلق أسرى بني تميم يوم عيد الفصح تقربًا لله:

ففكّ عن  مئة  منهم  إسارهُم

                        وأصبحوا  كلّهم  من   عُلّهِ خُلِعا

بهم تقرّب يوم الفصح ضاحية

                        يرجو الاله بما أسرى وما صنعا

وكانوا في الفصح يوقدون المشاعل، قال أوس بن حجر يصف رمحه، وقد شبه سنانه بمصباح يوقده رئيس النصارى يوم الفصح:

عليه كمصباح العزيز يشبّه

                      لفصحٍ ويحشوه الذبال المفتّلا

وقال عدي بن زيد يشير إلى تعميد قنديل الفصح:

بكروا عليّ بسحرة فصبحتُهم

                      بإناء ذي كرم كقعبِ  الحالبِ

بزجاجةٍ  ملء  اليدين  كأنها

                      قنديل فصح في كنيسة راهب

وممن أشاروا إلى أفراح النصارى في عيد الفصح عبد الله بن زبير، قال يهجو حجّار بن ابجر أمير بني عجل:

فكيف بعجلٍ إن دنا الفصحُ واغتدت

                           عليك بنو  عجل ومرجلكم يغلي

وعندك  قسيس  النصارى وصلبُها

                            وغانية صهباء مثل جنى النّخل

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.