استهلّ فضيلة الشيخ رشاد أبو الهيجاء الدرس الثامن عشر بالحديث عن سورة الانشقاق، بعد قراءة الطلاب وتسميع الحافظين منهم، متوقفاً عند مشاهد يوم القيامة وما تحمله السورة من معانٍ عظيمة حول انشقاق السماء، وخضوع الكون لأمر الله، وبعث الإنسان ووقوفه بين يدي خالقه للحساب والجزاء.
أولاً: سورة الانشقاق ومشاهد يوم القيامة
قال تعالى:
﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾.
وأشار فضيلته إلى عظمة هذا اليوم، حيث تتبدل أحوال الكون وتخضع المخلوقات جميعها لأمر الله سبحانه وتعالى.
الشفاعة والمقام المحمود
تناول فضيلته مسألة الشفاعة، مستشهداً بأحاديث الشفاعة العظمى، ومقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.
وبيّن أن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله ورضاه، وأن الله يكرم نبيه بالمقام المحمود، حيث يتوجه إلى ربه طالباً بدء الحساب والفصل بين العباد.
قال تعالى:
﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4].
عظمة البعث وإحياء الموتى
وتطرق فضيلته إلى عظمة قدرة الله على إحياء الموتى وإعادة خلق الإنسان بعد موته، مشيراً إلى ما ورد في السنة النبوية عن عَجْب الذَّنَب، وهي عظمة صغيرة في نهاية العمود الفقري، جاء في الحديث أن الخلق يُركّبون منها يوم القيامة.
وهذه مسألة غيبية نؤمن بما ثبت فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون الجزم بادعاءات علمية لم يثبتها العلم.
ثانياً: استكمال تفسير سورة الانشقاق
انتقل فضيلته إلى بيان الآيات التي تتناول مصير الإنسان ونتيجة أعماله، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾.
فالإنسان في هذه الحياة يسعى ويعمل، ويواجه المشقة والابتلاء، لكنه في نهاية المطاف راجع إلى الله، حيث يجد نتيجة ما قدم من أعمال.
ثم تبيّن السورة حال الناس عند تسلّم كتب أعمالهم:
أصحاب اليمين: يُعطَون كتبهم بأيمانهم، ويكون حسابهم يسيراً، وينقلبون إلى أهلهم مسرورين.
أصحاب الشمال: يُؤتون كتبهم من وراء ظهورهم، ويدركون سوء عاقبتهم نتيجة إعراضهم وغفلتهم عن الآخرة.
قال تعالى:
﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾.
أي أن الإنسان الذي ظن أنه لن يرجع إلى ربه، يذكّره الله بأنه عائد إليه لا محالة، وأن الله مطّلع على أعماله وأقواله ونياته، ولا يخفى عليه شيء.
وهنا تتجلى رسالة السورة: أن الإنسان مهما غفل أو ابتعد، فإن مرجعه إلى الله، وأن عليه الاستعداد ليوم الحساب بالعمل الصالح ومراقبة الله.
ثالثاً: باب التوبة من كتاب نزهة المتقين في شرح رياض الصالحين
بعد الانتهاء من تفسير سورة الانشقاق، انتقل طلاب العلم إلى شرح باب التوبة من كتاب نزهة المتقين في شرح رياض الصالحين للإمام النووي.
وبيّن فضيلة الشيخ أن التوبة ليست مجرد كلمات تقال باللسان، وإنما هي رجوع صادق إلى الله يظهر أثره في القلب والسلوك والعمل.
شروط التوبة النصوح:
1. الإقلاع عن الذنب والتوقف عن المعصية.
2. الندم على ما ارتكبه الإنسان من ذنوب وتقصير.
3. العزم الصادق على عدم العودة إلى الذنب مستقبلاً.
أما إذا تعلق الذنب بحقوق العباد، فتضاف ضرورة رد الحقوق إلى أصحابها.
ومن أمثلة ذلك:
– الحقوق المالية: إعادة المال إلى صاحبه أو تعويضه.
– القذف والاعتداء على السمعة والعِرض: تصحيح الاتهام ورد الاعتبار ومعالجة الضرر.
– الغيبة والإساءة والظلم: السعي إلى إصلاح ما أفسده الإنسان، وطلب المسامحة عندما يكون ذلك مناسباً ولا يؤدي إلى مفسدة أكبر.
وأكدت هذه المسألة أن التوبة من ظلم الآخرين لا تكتمل بمجرد الاستغفار، بل لا بد من رد الحقوق ومعالجة آثار الظلم بحسب نوعه.
الاستغفار والرجوع إلى الله
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة».
رواه البخاري.
وهذا الحديث يعلمنا أهمية الاستغفار ومراجعة النفس باستمرار، وأن التوبة عبادة مستمرة وتجديد للعلاقة مع الله سبحانه وتعالى.
مهام الدرس القادم
1. قراءة سورة الانشقاق ومراجعتها حتى آخر السورة.
2. استكمال باب التوبة من كتاب نزهة المتقين في شرح رياض الصالحين، مع التوسع في شروط التوبة وأحكامها وتطبيقاتها في حياة المسلم.
خاتمة الدرس
يجمع هذا الدرس بين حقيقتين عظيمتين: حقيقة الوقوف بين يدي الله يوم القيامة، وحقيقة التوبة والاستعداد لذلك اللقاء في الحياة الدنيا.
فسورة الانشقاق تذكّر الإنسان بمصيره وحسابه، وباب التوبة يفتح أمامه طريق الرجوع والإصلاح قبل فوات الأوان.
فالسعيد من راجع نفسه، وأصلح عمله، وردّ الحقوق إلى أصحابها، واستعد للقاء ربه بقلب سليم.
والله ولي التوفيق.
الشيخ رشاد أبو الهيجاء
إمام مسجد الجرينة – النصر الكبير | حيفا





