قراءة تحليليّة للمشهد السياسي العربي (الكنيست 26) بقلم الاستاذ ممدوح عمرية

مراسل حيفا نت | 01/11/2026

من “الكتلة الحرجية” إلى مأزق “التوظيف السياسي”
1. سيكولوجية التصويت: الشرعنة العقلانية لا التفويض الأيديولوجي
الواقع التحليلي: السلوك الانتخابي الأخير لم يكن مبنياً على مطابقة أيديولوجية مع الأحزاب العربية، بل على “استراتيجية تقليل الأضرار”. الجماهير مارست تصويتاً وظيفياً بحتاً، حيث أدركت أن غياب التمثيل يعني رفع الغطاء العازل أمام قوانين أكثر راديكالية ضد المجتمع العربي.
الاستنتاج: هذا الحراك يضع الأحزاب أمام “ثقة مشروطة” وليست تفويضاً مفتوحاً. أي محاولة للتعامل مع النتيجة كشيك على بياض ستؤدي مستقبلاً إلى ارتدادات عكسية وعودة حالة الإحباط والامتناع.
2. وهم “بيضة القبان”: القوة الكامنة وسقف “الإجماع الصهيوني”
الواقع التحليلي: الحصول على 18-19 مقعداً في ظل خارطة سياسية إسرائيلية متوازنة ومعقدة يمنح الصوت العربي “وزناً عددياً حاسماً”، لكنه لا يعني بالضرورة “نفوذاً سياسياً ناعماً”.
المأزق البنيوي: الأزمة لا تكمن فقط في تشتت الخطاب العربي بين نهجي (التأثير من الداخل / شبكة الأمان من الخارج)، بل في “سقف الخصم/الشريك اليهودي”. المعسكرات المركزية واليمينية الإسرائيلية، حتى تلك التي تسعى للإطاحة بالحكومة الحالية، ما زالت ترزح تحت عقدة “الشرعية الوطنية”، وتخشى تدفيعها ثمناً انتخابياً إذا ما اعتمدت رسمياً على الصوت العربي.
الاستنتاج: المراهنة على أدوار مثل “شبكة الأمان” أو “حكومة الإنقاذ” دون ضمانات ملزمة ومسبقة ستجعل القوة البرلمانية العربية عُرضة للاستنزاف والابتزاز، بحيث يُطلب من العرب تأمين النصاب دون أن يُمنحوا أدوات التغيير البنيوي.
3. فجوة التوقعات: المطالب الخدمية مقابل العقد الاستيطاني/التخطيطي
الواقع التحليلي: المقايضة السياسية القائمة على انتزاع ميزانيات أو حزم لمواجهة الجريمة تُعد خطوة أساسية لحفظ الوجود اليومي، لكنها تقف عند حدود “التسكين لا العلاج”.
العمق التخطيطي: القضايا الجوهرية للمجتمع العربي (القرى غير المعترف بها، توسيع الخرائط الهيكلية، تجميد قوانين البناء والتخطيط مثل قانون كامينتس) تمس جوهر العقد التخطيطي والديمغرافي للدولة.
الاستنتاج: المنظومة السياسية الإسرائيلية ستبدي مرونة في ملفات الميزانيات التشغيلية، لكنها ستضع خطوطاً حمراء أمام تغيير السياسات التخطيطية الهيكلية. وبالتالي، فإن اختزالية “الإنجاز” في الميزانيات دون تعديل التشريعات يُبقي المجتمع العربي في دائرة التبعية التنموية.
4. ملامح الطريق: التحول من “رد الفعل” إلى “إدارة الملفات”
الواقع التحليلي: المشهد الراهن يفرض صياغة “مشروع مواطنة إجرائي” يتجاوز الخطاب الشعاراتي، ويُدار عبر أدوات مهنية وسياسية متكاملة.
الأدوات المطلوبة:
غرفة إدارة مشتركة: تجاوز التباينات بين القائمتين لصالح طاقم مفاوضات موحد يفرض شروطاً حاسمة لا يمكن التنازل عنها لأي معسكر صهيوني يسعى لتشكيل حكومة.
تقاسم الأدوار (فصل الأيديولوجيا عن التنفيذي): الاستفادة من مرونة طرف في تحصيل المكتسبات الخدمية، وثبات طرف آخر في الحفاظ على الثوابت الوطنية والهوية، بدلاً من صدام النهجين.
خطاب المواطنة التشاركية: صياغة سردية مدنية موجهة للرأي العام في إسرائيل والشرائح اللبرالية، تُظهر أن استقرار البلاد وأمنها الاقتصادي والاجتماعي مرهون بإنهاء إقصاء أكثر من 20% من مواطنيها.
5. التشريع المضاد: الانتقال من “رفع الضرر” إلى “التجريم البنيوي للعنصرية”
الواقع التحليلي: لم يعد كافياً مطالبة أي ائتلاف قادم بإلغاء أو تجميد القوانين التمييزية الصريحة (كقانون القومية وقانون كامينتس) كشرط لإعطاء شبكة الأمان أو الدعم السياسي، بل إن المحك الحقيقي يكمن في مدى القدرة على الانتقال من موقف الدفاع إلى فرض مبدأ “التشريع المكتسب والمانع”.
الشرط السياسي: يجب أن يرتكز التعامل مع المعسكرات الإسرائيلية المقابلة على قاعدة صلبة؛ ألا وهي اشتراط سلة تشريعات ملزمة تجرم الخطاب والممارسات العنصرية بشكل واضح وقاطع، سواء كانت موجهة ضد العرب أو ضد اليهود، واعتبار تفكيك البنية التشريعية العنصرية شرطاً مسبقاً لدعم تشكيل أي حكومة أو منحها الشرعية البرلمانية.
الاستنتاج: إن المكتسبات الخدمية والاقتصادية تظل مهددة بالعرضة للزوال أو الإلغاء بقرار حكومي مجرد، ما لم تُحصّن بغطاء تشريعي يجرّم التحريض والعنصرية المؤسسية. وبالتالي، فإن جعل “إلغاء التشريعات التمييزية وفرض قوانين تجريم العنصرية” شرطاً حاسماً لتشكيل الحكومة، هو الخطوة الأولى لتحويل القوة العددية إلى ضمانات حماية قانونية ودستورية مستدامة لمجتمعنا العربي.

الاستاذ ممدوح عمرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *