نظرة سريعة في أحوال الناس توصلنا إلى حقيقة أن مشاربهم وتطلعاتهم وما يشغل بالهم تختلف من إنسان إلى آخر. فلكل إنسان دوافع تدفعه إلى اختيار الطريق الذي يسلكه، وقد تستقر هذه الدوافع في القلوب وتترسخ في العقول، حتى يرى صاحبها أنه على الحق فيما يسعى إليه.
فمن الناس من لا يشغله أمر الآخرة، وكأن لسان حاله يقول: إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر. ولذلك يسعى إلى اغتنام فرص الحياة، فتصبح الدنيا بزخارفها وأموالها أهم شيء في حياته، وينام ويستيقظ وهو يفكر في المال الذي يستطيع جمعه، فيفرح بكثرته ويحزن لقلته.
وهذا يختلف عن حال من جعل الآخرة غايته، فقد كان سلمان الفارسي رضي الله عنه يقول: «الفقر والغنى مطيتان، لا أبالي أيهما امتطيت؛ إن كان الفقر فمعه الصبر، وإن كان الغنى فمعه الشكر».
ومن الناس من يبيع دينه وكل ما هو غالٍ عليه في سبيل دنياه، وقد حذّر الرسول الكريم ﷺ من ذلك بقوله: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا».
وفي المقابل، هناك مؤمنون جعلوا رضا الله غايتهم، امتلكوا الدنيا بأيديهم، لكنهم لم يسمحوا لها بأن تستقر في قلوبهم، بل أنفقوا أموالهم فيما يرضي الله، وكان أملهم أن يتقبل الله منهم أعمالهم وصدقاتهم.
هؤلاء جعلوا الآخرة همّهم الأكبر، وشمّروا عن سواعدهم طلبًا للجنة التي أعدها الله للمتقين، فكانوا يجتهدون في أعمالهم، ويسعون في أرزاقهم، ويطلبون البركة من الله، دون أن ينسوا نصيبهم من الدنيا. وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا التوازن، فقال تعالى:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
أما من جعل الدنيا غايته وأهمل العمل للآخرة، فإنه قد ينال نصيبًا مما كُتب له من رزق في الحياة الدنيا، لكنه يعرّض نفسه لخسارة الآخرة. وشاسع هو الفرق بين من يعمل للدنيا وحدها، ومن يعمل للدنيا والآخرة معًا. قال تعالى:
﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
ونحن هنا لا نحكم على الناس، ولا نقرر من هو من أهل الجنة أو من أهل النار، فذلك إلى الله وحده، فهو أعلم بالسرائر وما تخفي الصدور. وإنما نتأمل في ظاهر الأعمال والسلوك، ونذكّر أنفسنا والناس بما جاء في كتاب الله من توجيهات تحث على إخلاص النية وحسن العمل.
قال تعالى:
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾.
ويظهر الفرق بين طالب الدنيا وطالب الآخرة حتى في الدعاء؛ فهناك من لا يطلب من الله إلا متاع الدنيا، بينما يسأل المؤمن الصادق ربه خير الدنيا والآخرة، ويستعيذ به من عذاب النار.
قال تعالى:
﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
فالمؤمن لا يطلب الآخرة بمعنى أن يهمل حياته ومسؤولياته، بل يسعى في رزقه، ويعمل بجد واجتهاد، ويؤدي واجباته تجاه أسرته ومجتمعه، لكنه يجعل كل ذلك في إطار طاعة الله وابتغاء مرضاته.
أما من باع آخرته بمتاع الدنيا الزائل، فقد اختار طريقًا محفوفًا بالخسران. قال تعالى:
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾.
ومن العجيب أن طالب الدنيا قد يتعلم فنون الكسب، ويكتسب الذكاء والفطنة، ويبذل جهدًا كبيرًا في سبيل زيادة ماله، لكنه يغفل عن تعلّم ما يقربه من الله، ولا يفكر بما ينتظره عند ساعة الرجوع إليه. وقد وصف القرآن هذه الحال بقوله تعالى:
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.
ومن مظاهر التعلق بالدنيا أن صاحبها قد لا يشبع منها، حتى لو امتلك أموالًا كثيرة، إذ يظل يشعر بالحاجة والخوف من الفقر، لأنه لم يعرف حقيقة الغنى، ولم يتعلم الرضا والشكر.
قال رسول الله ﷺ: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب».
وقال ﷺ: «من كانت الدنيا همَّه، فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة».
فمن شغلت الدنيا قلبه عن آخرته، قد يعاقَب في حياته بعقوبتين عظيمتين: أولاهما أن يتفرق عليه أمره، فيبقى أسير السعي وراء المال وجمعه، دائم القلق والخوف من نقصانه، فلا يستمتع بما بين يديه من نعم، ولا يعرف للراحة طريقًا.
وثانيتهما أن يجعل الله فقره بين عينيه، فيظل يخشى الفقر حتى لو امتلك كنوزًا كثيرة، لأن الغنى الحقيقي ليس بكثرة المال، وإنما بغنى النفس وطمأنينة القلب. وقد يموت الإنسان وهو يلهث وراء المزيد، ثم يقف يوم القيامة مسؤولًا عن ماله: من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟
أما من كانت الآخرة غايته، فإن الله يجمع له أمره، لأنه حدّد هدفه وعرف طريقه، فيأخذ من الدنيا ما يعينه على بلوغ غايته، فإن زاد رزقه شكر الله وتصدّق، وإن ضاقت به الحال صبر واحتسب، ولم يجعل ما فاته سببًا للسخط والجزع.
وهنا يتحقق المعنى النبوي: «وجعل غناه في قلبه»، فيرضى بما قسم الله له، ولا يحزن على ما فاته، ولا يجعل المقارنة بالآخرين سببًا لشقائه. وقد أوصى الرسول الكريم ﷺ بقوله: «وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس».
ومن جعل الآخرة غايته، ولم يلهث خلف الدنيا، فقد يجد أبواب الرزق تُفتح أمامه من حيث لا يحتسب، لكنه لا يجعل ذلك غايته الأساسية، بل يظل قلبه متعلقًا برضا الله.
ولنا في رسول الله محمد ﷺ خير قدوة في ذلك. فعندما خيّر الله سبحانه أزواج النبي بين الحياة الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة، بدأ النبي ﷺ بعائشة رضي الله عنها، وطلب منها ألا تتعجل حتى تستشير أبويها، ثم تلا عليها قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
فكان جواب عائشة رضي الله عنها واضحًا: إنها تريد الله ورسوله والدار الآخرة، وكذلك فعل أزواج النبي ﷺ.
وهذا الموقف يحمل درسًا عظيمًا في ترتيب الأولويات؛ فليس الخطأ في امتلاك المال أو الاستمتاع بما أباح الله من زينة الحياة الدنيا، وإنما الخطأ أن تتحول الدنيا إلى الغاية التي تسيطر على القلب، وتدفع الإنسان إلى التفريط في دينه ومبادئه وحقوق الآخرين.
وهنا نسأل أنفسنا: ما الذي يشغل بالنا حقًا؟
هل هو جمع المال، والتنافس على متاع الدنيا، والخوف من فقدان ما نملك؟ أم هو رضا الله، وصلاح أبنائنا، وخدمة مجتمعنا، والعمل الصالح الذي يبقى أثره بعد رحيلنا؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف لنا حقيقة أولوياتنا، وتساعدنا على مراجعة أنفسنا قبل أن يفوت الأوان.
فلنجعل الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، ولنطلب الرزق بالحلال، ونشكر الله على نعمه، ونؤدِّ حقوق أهلنا ومجتمعنا، ونعمل لآخرتنا كما نعمل لدنيانا.
فالدنيا مهما طالت زائلة، ومتاعها مهما كثر فانٍ، أما العمل الصالح فهو الذي نرجو أن نجده عند الله يوم نلقاه.
اللهم اجعل الدنيا في أيدينا، ولا تجعلها في قلوبنا، وارزقنا حسن العمل، وصدق النية، وغنى النفس، وحسن الخاتمة، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.







