لتربية القرآنية بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 25/09/2026

لتربية القرآنية

بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

نسمع صرخات مدوّية من أفواه آباء يتذمرون من عقوق أبنائهم ومن سوء أخلاق بعضهم، بل أصبحنا نرى من الأبناء، ذكورًا وإناثًا، من يلجأ إلى الاستقلال عن البيت، فيخرج منه ليبني حياة جديدة، قد تكون ناجحة أحيانًا، وفي كثير من الأحيان تتحول إلى ملجأ للهموم والمشكلات التي يصعب حلها.

وفي ظل هذا الواقع، يطرح السؤال نفسه: هل فشلنا في تربية أولادنا حتى وصلنا إلى مثل هذا الحال؟

والحق يقال إن من أخطر ما أصاب الأسرة انعدام القدوة الحسنة التي تضع في سلم أولوياتها إعداد جيل سليم يحمل هم أمته ووطنه ومجتمعه وأهله، إلا من رحم ربي. وخاصة أن بعض الآباء يرفضون أن تكون التربية الإيمانية جزءًا أساسيًا من تربية أبنائهم، فتتغلب المصالح المادية على العلاقة الأسرية، وتصبح الأسرة في كثير من الأحيان عرضة للتفكك والمشكلات.

ولذلك أود أن أقف معكم عند بعض المحطات الإيمانية في التربية، وفي مقدمتها: كيف يجب أن يكون الأب ناصحًا لأبنائه؟

لقد جاء في سورة لقمان مشهد رائع للمربي، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ۝ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.

ثم يقول سبحانه:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ… أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ۝ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.

ثم تعود السورة إلى وصايا لقمان لابنه:

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ۝ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ۝ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ۝ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.

فهذه المحطة الإيمانية في التربية تستوجب الوقوف عندها، إذ كان لقمان دائم النصح لابنه، وندرك ذلك من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾.

ثم جاء الحث على العقيدة السليمة الخالية من الشرك، مقترنًا ببر الوالدين، بل جاءت وصية الله ببرهما، ليدرك كل شاب وفتاة أن بر الوالدين، وحسن التعامل معهما، والاستماع إلى نصحهما، ليست مجرد عادات اجتماعية، وإنما هي من الدين.

كما نلحظ من خلال هذه الوصية أن لقمان أراد أن يرسّخ في قلب ابنه مفهوم قدرة الله وعلمه الذي لا حدود له، فقال:

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾.

فالذي تبلغ قدرته هذا الحد، أو أكثر، حريّ بأن يُعبد، وحريّ بأن يستحضر الإنسان مراقبته وعلمه بكل ما يفعل.

ولو أمعنا النظر في هذه الوصايا، لوجدنا أنها تعتني أولًا بالعقيدة: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، ثم بالمراقبة الذاتية من خلال استحضار علم الله وقدرته، ثم بضرورة العبادة كأساس للتربية الروحية: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، ثم تأتي لفتة مهمة، وهي أن العبادة لا تنفصل عن التعامل مع الخلق:

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾.

ومن عجيب ما يلفت الانتباه أن لقمان كان يعلّل طلبه لابنه؛ فقال: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، لماذا؟ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وفي نصيحته الأخرى قال: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾، وبيّن السبب: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.

لقد أراد لقمان أن يصنع إنسانًا واعيًا يعيش في الحياة على بصيرة من أمره، ولذلك كان واضحًا في نصيحته لابنه، قريبًا منه، حاضرًا في تربيته.

وهنا السؤال لكل أب كريم: هل جلست مع أبنائك وحاورتهم كما فعل لقمان؟ وهل تحملت مسؤولية أبنائك حتى يكونوا بارّين بك؟

أقول هذا وأنا أعيب على بعض الآباء الذين، عندما تبلغ ابنتهم سن الزواج، وتطلب منهم أن يكونوا إلى جانبها، يرفضون ذلك بحجة الخلاف القائم بينهم وبين زوجاتهم، فتضطر الفتاة إلى اللجوء إلى المحكمة للحصول على الإذن بالزواج، وما يزيد الأمر تعقيدًا.

وهناك من يطرد ابنه أو ابنته من البيت بحجة أنه لم يعد مسؤولًا عنهما بعد بلوغهما سن الثامنة عشرة. فهل تنتهي مسؤولية الأب عن ابنه أو ابنته بمجرد بلوغ هذا السن؟ وهل تنتهي التربية عندما يصل الابن إلى مرحلة عمرية معينة؟

وهذا يقودنا إلى محطة ثانية من محطات القرآن في التربية، وكثيرًا ما وقفنا عندها في مرات سابقة، وخاصة عند الحديث عن عفة يوسف عليه السلام، لكننا اليوم نقف مع يعقوب وأبنائه.

لقد تآمر أبناء يعقوب على أخيهم يوسف، وألقوه في غيابة الجب، وكذبوا على أبيهم وقالوا إن الذئب أكله، فحرموا يعقوب من رؤية ابنه سنوات طويلة حتى ابيضّت عيناه من الحزن.

ومع ذلك، لم يطرد أبناءه، ولم يقطع الأمل في توبتهم.

فلما انكشفت حقيقتهم أمام أبيهم، قالوا:

﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾.

فكان رده:

﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

وفي ذلك لفتة مهمة؛ فمع أن الظلم المباشر وقع على يعقوب وابنه يوسف، إلا أن يعقوب أراد أن يربط أبناءه بالله، وأن يعلّمهم أن المعصية ليست مجرد إساءة إلى إنسان، وإنما هي قبل كل شيء معصية لله رب العالمين، وأن باب التوبة لا يُغلق.

وإذا أردنا إعداد جيل نفتخر به، ويحمل هم أمته ومجتمعه وأسرته، فلا بد من إعداده إعدادًا سليمًا، وهذا يقودنا إلى محطة أخرى من محطات التربية القرآنية:

ما الذي جعل موسى عليه السلام قادرًا على تحدي فرعون، الذي قال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾؟

الجواب أن موسى تربى في رعاية أم آمنت بالله واستجابت لأمره، قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.

وتخيلوا هذه الأم التي ترضع ابنها الحنان والحب، ثم يأمرها الله أن تلقيه في اليم، ليواصل بعد ذلك سلسلة من التحديات الصعبة في بيت فرعون، حتى تأهل لأن يكون نبيًا ورسولًا.

وكانت أخته حاضرة في هذه القصة، تحمل لأخيها الحب والحنان والرحمة، فقالت:

﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.

إنها التربية التي تصنع الرجال، وتبني الإنسان القادر على مواجهة المحن، والثبات أمام الطغيان، والتمسك بالحق.

وفي المقابل، وللأسف، نجد بعض الإخوة الذكور ممن يحاولون حرمان أخواتهم من أبسط حقوقهن، وخاصة في الميراث، وكأن الأخوة تنتهي عند المال، وكأن صلة الرحم يمكن أن تُباع وتُشترى.

فهل لنا أن نعود إلى هذه المحطات القرآنية، نقف عندها، ونتعلم منها، ثم نعمل بما تعلمناه؟

إن التربية القرآنية ليست كلمات تُقال، ولا مواعظ تُسمع فقط، وإنما هي قدوة وحوار ورحمة ومسؤولية، تبدأ من البيت، وتبني الإنسان، والأسرة، والمجتمع.

فإذا أردنا أبناءً صالحين، فعلينا أن نكون نحن أولًا قدوة لهم، وأن نمنحهم الوقت والحوار والرحمة، وأن نربط تربيتهم بالله، ونعلّمهم أن الدين أخلاق ومعاملة ومسؤولية، وأن الأسرة ليست مكانًا نغادره عند أول خلاف، بل أمانة نحافظ عليها ما استطعنا.

فلنعد إلى القرآن، لا لنقرأه بألسنتنا فقط، بل لنقرأه بقلوبنا، ونستخرج منه منهجًا في التربية، ونعلّم أبناءنا أن الحب والرحمة والاحترام والحق وصلة الرحم ليست شعارات، وإنما سلوك يُمارس في الحياة.

فهل لنا أن نعود إلى القرآن… لنقف ونتعلم، ثم نعمل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *