الدكتورعماد أبو رحمة… طبيبًا وفنانًا
• استعمل الدكتور عماد اداوت الجراحة كالسكين في اعماله الفنية ومطهّر الجروح في تلوينها.
الأداة التي كانت يومًا جزءًا من عالم الطب والجراحة انتقلت إلى عالم الفن، واكتسبت وظيفة جديدة ودلالة جديدة.
• بدّل غرفة العمليات بالمرسم، وبدّل المداواة بالسكين إلى المداواة بالخط واللون والشكل.
بقلم: سعاد نصر مخول
(الكلمة التي القيتها في تأبين الراحل د. عماد أبو رحمة بتاريخ 19.9.2026 في شفاعمرو مسقط رأسه).













قبل ثلاثة أعوام، زارني الدكتور عماد أبو رحمة في جاليري حيفا، حاملًا معه عددًا من أعماله الفنية، راغبًا في أن يطلعني عليها.
لم يأتني يومها بصفته طبيبًا جرّاحًا فحسب، بل جاءني إنسانًا مرهف الحس، يحمل في داخله حصيلة سنوات طويلة من التجربة، وذاكرة امتلأت بآلام البشر، وبجراح من عالجهم، وبما تركته مهنة الطب في نفسه من أسئلة وتأملات.
جاء حاملًا تجربة امتدت لخمسين عامًا أو أكثر؛ تجربة لم تبقَ حبيسة غرفة العمليات، ولم تتوقف عند حدود الجسد وشفائه، بل تحولت لديه إلى رؤية إنسانية وفنية عميقة. استطاع أن يجعل من أدوات المهنة القاسية، من السكين ومطهّر الجروح ، وسائل جديدة لصياغة الجمال، وأن يحوّل ما ارتبط بالألم والجرح إلى لغة فنية خاصة.
وهنا، في رأيي، تكمن تميز تجربته وأهمية أعماله.
لقد نقل الدكتور عماد تجربته كطبيب إلى فضاء أوسع، وجعل منها فلسفة في فهم الإنسان والحياة. والافط هنا انه استخدم الأدوات ذاتها التي اعتاد أن يعالج بها أجساد المرضى، ليمنحها وظيفة أخرى: أن تصبح أدوات إبداع، ووسائل جمالية، وربما شكلًا آخر من أشكال شفاء الروح.
فالفن، كما أراه، هو رحلة في العالم الداخلي للفنان، ومحاولة لترجمة ما يراه وما يشعر به وما يختبره من تجارب، عبر لغة خاصة بصاحبها.
والفن أيضًا هو إعادة صياغة للعالم؛ للعالم الخارجي كما نراه، وللعالم الداخلي كما نحمله في أعماقنا.
أن تكون مبدعًا، يعني أن تمنح الأشياء من حولك معنى جديدًا، حتى أكثرها بساطة واعتيادًا. أن ترى ما لا يراه الآخرون، وأن تكون قادرًا على تحويل التجربة الشخصية إلى تجربة إنسانية يتقاسمها الجميع.
وأن تكون فنانًا حقيقيًا، يعني أيضًا أن تكون مُلهمًا وصادقًا.
وقد جمع الدكتور عماد أبو رحمة هذه الصفات في تجربته الفنية. ورغم أن رحلته مع الفن، بالمقارنة مع مسيرته الطويلة في الطب، كانت قصيرة نسبيًا، فإن إنتاجه كان واسعًا، متنوعًا، وصادقًا، يحمل عالمه الداخلي وتجربته الإنسانية بأبسط الوسائل وأكثرها قربًا منه.
ومن هنا لا بد من الوقوف عند بعض السمات التقنية والجمالية التي ميّزت أعماله.
استعمل الدكتور عماد السكين، وأدوات الحفر على الخشب، كما استخدم مطهّر الجروح “البيتادين” في تلوين أعماله. وهذه ليست مجرد تقنية فنية غير مألوفة، بل هي في ذاتها جزء من معنى العمل: فالأداة التي كانت يومًا جزءًا من عالم الطب والجراحة انتقلت إلى عالم الفن، واكتسبت وظيفة جديدة ودلالة جديدة.
أما مواضيع أعماله، فقد كانت واسعة بقدر اتساع عالمه الداخلي؛ تناول الطبيعة والأزهار، والحيوانات، والموسيقى، والأساطير، والرقص والحركة، والسلام، والإنسان، والقضية الفلسطينية، كما تناول ما جرى في غزة من حرب ودمار ومعاناة، إلى جانب موضوعات أخرى مثل “الأم الأمهات”.
وتظهر في أعماله دقة شديدة في رسم الخطوط وحفر المساحات. وهذه الدقة لا تبدو مصادفة، بل يمكن قراءتها بوصفها امتدادًا طبيعيًا لتجربته كجرّاح، حيث تتطلب اليد ثباتًا، والعين تركيزًا، والحركة قدرًا كبيرًا من الحذر والانضباط.
لقد حمل معه دقة الطبيب إلى مرسم الفنان.
ويتجلى ذلك بوضوح في تفاصيل اعماله، والخطوط، والكلمات، وفي العلاقة الدقيقة بين المساحة والفراغ.
أما الحركة، وهي من العناصر الأساسية في الفن، فقد حضرت بقوة في الكثير من أعماله. تظهر في الراقصات، وفي الغزلان، وفي الأسماك، وفي الكائنات الأسطورية، وفي كل مشهد حاول من خلاله أن يمنح الخط إحساسًا بالحياة.
في أعمال الراقصات، نجح في أن يجعل الشكل والأسلوب في خدمة المضمون، بحيث لا تبدو الحركة مجرد حركة جسد، بل حالة شعورية كاملة.
وفي الأعمال المرتبطة بالموسيقى، نلمس جانبًا آخر من شخصيته: عالمًا رقيقًا، هادئًا، متناغمًا، يبحث عن الإيقاع الداخلي للأشياء.
أما الغزلان، فقد أحببت فيها خفتها وتنوع حركاتها، وقدرة الفنان على خلق نوع من الحوار الصامت بينها، حوار لا يحتاج إلى كلمات كي نشعر به.
وفي أعمال الثيران والأفاعي، نرى وجهًا مختلفًا من التجربة؛ توترًا وصراعًا يمكن قراءته على مستويين: صراع الإنسان داخل ذاته، وصراع العالم الخارجي المليء بالعنف والتناقضات. ومع ذلك، ظل الشكل الجمالي حاضرًا، ولم ينفصل يومًا عن قوة المضمون.
أما عالم الأساطير، واستخدام رموز مثل التنين وطائر العنقاء، فيدلان على عمق ثقافي وعلى اهتمام بالرموز التي حملتها الحضارات القديمة عبر التاريخ. وطائر العنقاء، بما يحمله من معاني الموت والبعث والتجدد والخلود، يبدو وكأنه رمز يتجاوز حدود الأسطورة ليصبح سؤالًا عن الإنسان نفسه: عن قدرته على النهوض من الألم، وعلى البدء من جديد.
وفي أعماله الأخيرة التي تناولت الحرب على غزة ومعاناة شعبنا الفلسطيني، دخل الدكتور عماد إلى مساحة أخرى أكثر ألمًا وارتباطًا بالواقع. وفي هذه الأعمال نستطيع أن نرى حوارًا مع ذاكرة الفن الإنساني الكبرى، اذ دمج اعمالا مثال “الغرنيكا” لبيكاسو و”الصرخة” لإدفارد مونك؛ أعمال ولدت من قلب المأساة، وحولت الألم إلى شهادة بصرية ضد الحرب والعنف، وإلى صرخة من أجل الإنسان والسلام.
وهنا ربما نعود إلى البداية.
فالطبيب الذي أمضى حياته في مواجهة الألم ومحاولة إنقاذ الجسد، لم يترك هذه المهمة حين دخل عالم الفن، بل واصلها بطريقة أخرى.
بدّل غرفة العمليات بالمرسم، وبدّل المداواة بالسكين إلى المداواة بالخط واللون والشكل.
رحل الدكتور عماد أبو رحمة، وبقيت أعماله شاهدة على تجربة إنسان جمع بين دقة الطبيب وحساسية الفنان، وبين يد تعرف كيف تداوي الجسد وروح تبحث عن معنى أعمق للحياة.
سلام لروحك، وأحرّ التعازي للعائلة الكريمة.
ويبقى الأثر.
19 أيلول 2026



