يا مُثبّت القلوب
بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء
بما أن القلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء، كان النبي محمد ﷺ يكثر من الدعاء: «يا مُقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك». وفي هذا الدعاء تأكيد على عظمة العبودية لله، والتمسك بالعهد معه، ورسالة لأتباعه إلى يوم الدين بأن الإنسان معرّض للفتن التي قد تزلزل عقيدته وتغيّر مساره، فينتقل من كونه مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، إلى مفتاح للشر مغلاقًا للخير.
فعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول: «يا مُقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك»، فقيل له: يا رسول الله، أتخاف علينا؟ فقال: «نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلّبها كيف يشاء».
والمتأمل في أحوال الناس يجد أن القلوب تتقلب، أحيانًا عند النعمة، وأحيانًا عند المحنة، وكلاهما فتنة تعصف بالإنسان. وحتى يثبت المرء، عليه أن يطلب المعونة من الله، وأن ينظر إلى ما أعدّه الله لعباده من نعيم الجنة، فلا الفقير البائس يحزن يوم القيامة، ولا المتمرد على ربه يفرح إذا زاغ قلبه عن الحق.
فالإيمان الصادق هو الذي يعصم صاحبه ويسدّد رأيه. وقد جاء هذا واضحًا في خطاب رب العزة لرسوله ﷺ في سورة الإسراء، قال تعالى:
﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾.
وهذا الاختبار ما زال قائمًا، ويتعرض له كل مؤمن، في محاولة لإبعاده عن الحق ودفعه إلى اتباع أهواء الآخرين. لكن الله قد تكفّل بتثبيت المؤمنين، فقال سبحانه:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.
وحتى تذهب وساوس شياطين الإنس والجن، فعلى المؤمن أن يلجأ إلى الوحي، القائل:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾.
فالشفاء ليس فقط من أمراض الجسد، وإنما من أمراض القلوب المهلكة، من الحقد والحسد والكبر والغرور والانحراف عن الحق.
ومن رحمة الله بعباده أنه أنزل الكتب ليهتدي بها الناس، ويعتصموا بحبل الله الذي هو مصدر القوة والمنعة، وأساس العزة والكرامة. ففي الوحي من الله الهداية إلى النور، قال تعالى:
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
والوحي كذلك أساس للهداية والرحمة، ومصدر للشفاء من علل القلوب، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وعندما تزول علل القلوب، يُزرع فيها الخير والحب والرحمة، ويصبح صاحب القلب السليم على بصيرة من ربه؛ يعرف طريق الحق فيتبعه، ويعرف طريق الضلال فيبتعد عنه ويحذّر منه.
وعندها يسهل عليه التمييز بين الحلال والحرام، فيأخذ من الحلال حاجته، ويبتعد عن الحرام ويفرّ منه فرار الماشية من الأسد، ويثبت على الحق مهما اشتدت المحنة.
وهذا ما أصلّه الرسول الكريم ﷺ في نفوس أصحابه من ضرورة الصبر والثبات. فعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال:
«كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، فيُجعل فيه، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».
وهنا خطر في ذهني ما يلي: هل يعي شبابنا أن القتل وترويع الناس من الفتن التي يجب التخلي عنها، حتى لو عُرضت عليهم الدنيا بكل زينتها، وحتى لو مُنعت عنهم؟
فكل ذلك يجب أن يكون سواء أمام حرمة الدماء وأمن المجتمع، حتى يعيش مجتمعنا في أمان وطمأنينة. ولسنا وحدنا في هذا الكون؛ فأنبياء الله، وهم خير البشر، تعرضوا للفتن والإغراءات، لكنهم ثبتوا على الحق.
ولكم في نبي الله يوسف عليه السلام عبرة. شاب يترعرع وينشأ في بيت عزيز مصر، وكل كنوز الدنيا وزينتها بين يديه، ولما عُرضت عليه فتنة المعصية قال:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
ومن أهم ما يثبت الله به قلوب المؤمنين حسن الظن به. قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه جلّ في علاه:
«أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب إليّ بشبر تقرّبت إليه ذراعًا، وإن تقرّب إليّ ذراعًا تقرّبت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة».
فبقدر حسن الظن بالله، وبقدر الثبات على الحق، يأتي العطاء من الله والمنحة الربانية.
اللهم يا مُقلّب القلوب، ثبّت قلوبنا على دينك، وثبّتنا على الحق، واهدِ شبابنا، واحفظ مجتمعنا من الفتن، واجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر.
يا مُثبّت القلوب بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء
مراسل حيفا نت | 18/09/2026





