منتدى أتشيفرز يناقش الذكاء الاصطناعي في الطب كتب نايف خوري

مراسل حيفا نت | 18/09/2026

اجتمع أعضاء منتدى أتشيفرز في نهاية الأسبوع في قاعة كنيسة يوحنا المعمدان الأرثوذوكسية في حيفا، حضره عدد كبير من أعضاء المنتدى. وقال الدكتور ريمون جبران رئيس المنتدى إن هذا اللقاء يتمحور حول الذكاء الاصطناعي في الطب، بمشاركة عدد من الأطباء والأخصائيين الذين تحدثوا في ندوة بهذا الموضوع وهم:
البروفيسور زاهر عزام، رئيس الجناح الباطني في مستشفى رمبام، وهو أستاذ في كلية ربابورت للطب التابعة للتخنيون، ونائب عميد التعليم الطبي سابقًا، وعضو لجنة الترقيات الأكاديمية في مجلس التخنيون. أما عنوان مداخلته فكان: “إلى أي مرحلة وصل الذكاء الاصطناعي اليوم، وما مدى دقته في تحقيق النتائج؟ وما أبرز مخاطره على المريض والطبيب الشاب، وهل يمكن أن يحلّ محل الطبيب مستقبلاً؟”
وقال في حديثه: إننا نعيش مرحلة تحول حقيقية في عالم الطب، فكما غير استخدام الأشعة والتصوير المقطعي والإنترنيت والملف الطبي الإلكتروني طريقة عملنا في العقود الماضية، فإن الذكاء الاصطناعي يغير اليوم أساليب التشخيص واتخاذ القرار والتواصل مع المرضى والتعليم والبحث. فهل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الطبيب؟ بل كيف يمكن للطبيب استخدام هذا الذكاء ليصبح أكثر دقة وكفاءة، ويخصص وقتا أكبر لما لا تستطيع الآلة القيام به، وهو فهم المريض وسياقه، التعامل مع عدم اليقين، التعاطف وتحمل المسؤولية الأخلاقية عن القرار.
ومضى يقول: تبرز من هنا ثلاثة أسئلة عملية: إلى أين وصل الذكاء الاصطناعي في التشخيص؟ ما مدى دقته؟ ما مدى دقته في الممارسة السريرية؟ وما هي أبرز مخاطره على المريض وعلى الطبيب، ولا سيما الطبيب الشاب؟
وعدد البروفيسور عزام إلى الاستخدامات الرئيسية للذكاء الاصطناعي في الطب:
التشخيص الطبي وتحليل صور الأشعة وغيرها، دعم اتخاذ القرار السريري ودمج نتائج المختبرات، التنبؤ والإنذار المبكر بالتعرف على المرضى المعرّضين لخطر التدهور، الطب الشخصي والتخصصي، مراقبة المرضى عن طريق تحليل البيانات، التوثيق الطبي والعمل الإداري كتلخيص الزيارات والاستشفاء، التواصل مع المرضى بشرح الأمراض والفحوصات، التعليم الطبي بالمحاكاة، وإدارة الأنظمة الصحية والتنبؤ بتخطيط القوى العاملة.
وخلص البروفيسور عزام إلى القول: لا أرى الذكاء الاصطناعي منافسا للطبيب، بل أداة قوية بين يديه، وهو لن يحل محل الطبيب، ولكن الطبيب الذي يجيد استخدامه بصورة صحيحة قد يتفوق على طبيب لا يستخدمه. ونحن نهدف لأن نجعل الطب أكثر تقنية، ونستخدم التقنية لجعل الطب أكثر دقة وأكثر أمانا.
ثم تحدث البروفيسور زيد عباسي، أستاذ في قسم الفيزيولوجيا، كلية الطب في التخنيون، ونائب عميد كلية الطب في التخنيون، ومنسّق البحث الأساسي والسريري في قسم جراحة الأوعية الدموية، في مستشفى رمبام.
وألقى مداخلة بعنوان: “استعمال الذكاء الاصطناعي في عالم المنشورات الطبية: حسناته ومخاطره”، وقال: إن الذكاء الاصطناعي غيّر البحث العلمي رأسا على عقب، ففي الماضي كان الباحث يخطط تجاربه بنفسه، حول فرضية السؤال العلمي، الأهداف، مبنى التجربة، وإجراء التجربة وتحليل المعطيات وتحضير ملخص النتائج عبر لوائح ورسوم بيانية. هذا إلى جانب قراءة المنشورات العلمية، وكتابة المقال عن طريق قراءة المنشورات العلمية في مادة البحث، والتطرق إلى التجديدات في البحث، مقارنة بما نشر، عن كان متناسقا أم متعارضا.
وأكد البروفيسور عباسي على أن مشروعا كهذا كان يستغرقا عدة أشهر أو سنوات، أما اليوم فيمكن تقديم بعض المواصفات للسؤال العلمي المطروح للذكاء الاصطناعي وهو يخطط للبحث ومبنى التجربة للمجموعات وعدد العينات بكل تجربة، وتحليل النتائج وبناء الاختبارات الإحصائية وكتابة القرارات ومناقشة النتائج، كل ذلك خلال دقائق أو أقل.
ومضى البروفيسور عباسي قائلا: تتوفر بعض الفوائد باستخدام الذكاء الاصطناعي وأهمها السرعة وتوفير الوقت والجهد، ومسح آلاف المقالات في وقت قياسي قصير. وتلخيص الدراسات في فترة غير مرهقة، وإيجاد الفجوات البحثية مما يعطي الباحث أسئلة علمية قد تشكل قاعدة لبحوث مستقبلية، إلى جانب اقتراح فرضيات علمية جديدة.
وتابع البروفيسور عباسي قوله: إن المزايا الهائلة التي يتصف بها هذا التحول الرقمي فإنها تنطوي على مخاطر وتحديات أخلاقية وسريرية بالغة الأهمية، تستدعي الحذر والمراقبة البشرية الدائمة. وحذر من ظاهرة الهلوسة وهي قبول الأخطاء إذا اعتمد الذكاء الاصطناعي على مراجع طبية وهمية، قد تبدو مقنعة. وكذلك الميل لتصديق المعلومات الطبية الخاطئة إذا صيغت بلغة احترافية. والافتقار إلى الحكم والتفكير النقدي. والتحيز وتكرار الأخطاء، إلى جانب المشاكل القانونية والسرقات الأدبية وتهديد الخصوصية وأمن البيانات.
وأجمل البروفيسور عباسي بالقول: من حسنات هذا الذكاء الاصطناعي في الكتابة الطبية هو توفير الوقت والجهد، تحسين الصياغة والتدقيق اللغوي، تلخيص وتحليل البيانات الضخمة، تخصيص المحتوى للمرضى. وأن الذكاء الاصطناعي هو أداة مساعدة ممتازة ومعززة للكاتب الطبي وليس بديلا عنه.
ثم تحدث البروفيسور بشارة بشارة، وهو جرّاح كبير، ومدير سابق لوحدة الجراحة المنظارِية المتقدّمة، ونائب قسم الجراحة في مستشفى رمبام سابقا، يعمل اليوم جراحا في مستشفى رمبام وأسوتا. وكان عنوان مداخلته: “تشخيص الأورام بمساعدة الذكاء الاصطناعي، حاضرا ومستقبلا والروبوت”. وقال:
وتحدث الدكتور ذيب داود نقّاش، الأخصائي في الطب الباطني والغدد والسكري، وهو نائب مدير سابق لمعهد الغدد الصماء في رمبام، ومؤسس ورئيس مؤتمر رمبام للطب والصحة الرقمية 2016-2021
وكان عنوان مداخلة الدكتور نقاش: “اللمسة الرقمية: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يمسح كتف المريض دون أن يلمسه؟” وقال: إن الذكاء (المُصنّع) هو نقلة كمية هائلة في تدرج الحضارة البشرية، لا بد أن ينتج عنها نقلات نوعية، بنّاءة ومدمّرة. وأضاف: لا أخفيكم أنني أشعر برهبة ووعد إزاءه. فإذا كان ابن الهيثم فلكي زمانه، فإن نقلة الذكاء، هي كالخروج عن الأطموسفيرى كما تلسكوب جيمس وِب، حيث تملأ عباب الكون ما تعجز عنه خيالاتنا. وإن الحفاظ على ما يوازي روح ابن الهيثم، في الطب والصحة، قد تداخل اليوم أكثر أو أقل في عروض الپانليستى.
ومضى الدكتور نقاش يقول: وكما يليق في الفضاء لزامًا أن نفتش عن نقطة مرجع، أعني النجم القطبي، مجازًا، كي نهتدي اين نتجه. ففي الطب أرى أن “المتشافي” (patient) هو نجم الشمال “پولاريس”، ولكي نحفظ رابطًا معه (خشية الضياع في متاهات النجوم والغالكسيات)، علينا الانتباه دومًا إلى ثلاثة أركان (نجوم مجموعة الميزان): لفتة، اهتمام، إلمام. وكلما تخطينا إحداها، أؤكد أننا في طريقنا إلى التيه.
وأضح أن اللفتة للمتشافي، تشير إلى أنك أنت بائن على “راداري”. بينما الاهتمام: يدل على أني في طريقي إليك، ولو بعد لحظة أنهي ما أنا فيه، لُطفاً. ويأتي الإلمام: الذي يبيّن الآن ونحن سويّة أريد إلمامي بكل ما يمتّ لتوجهك إليّ بصِلة. كما تريد أنت أن أكون مُلمّا “بكل شي”.
وأشار إلى أن مجموعة الميزان هذه حفظتني من التشتت، ليس عن التشخيص وخطة العلاج فحسب، بل أبقتني إلى جانب المتشافي في رحلة الإياب من العذاب، وبطمأنينة لا غِنى عنها أننا على طريق عودة العافية.
وأجمل الدكتور ريمون جبران هذه المداخلات بقوله: كان لقاء منتدى الأتشيفرز واحدًا من أروع اللقاءات التي نظمناها حتى الآن، لقاء جمع بين حضور مميز يفيض شغفًا، ومحاضرين يمتلكون خبرات راسخة ومعرفة عميقة. وتساءل مع المتداخلين والحضور: إذا كان “الذكاء الاصطناعي في خدمة الطب: فهل نحن أمام ثورة حقيقية في التشخيص والعلاج والوقاية من أمراض العصر، أم أن الطريق أمامنا ما زال طويلًا؟” وخلاصة الحديث أن الذكاء الاصطناعي لا يحلّ محل الطبيب، بل ليمنحه قوة جديدة تعزّز قدرته على التشخيص واتخاذ القرار. نحن أمام طب أكثر دقة، وأكثر إنسانية، وأكثر قدرة على حماية الناس من أمراض العصر قبل أن تتفاقم وتتحول إلى أزمات. إن دخول الذكاء الاصطناعي إلى الممارسة الطبية ليس نهاية دور الطبيب، بل بداية مرحلة يصبح فيها الطبيب أكثر تأثيرًا، وأكثر قدرة على الوصول إلى الحقيقة الطبية بسرعة ووضوح.”
وشكر الدكتور جبران اللجنة المنظِّمة لعملها الرائع وروحها الجميلة. وكان التنظيم والترتيب اللوجستي واضحًا في كل خطوة. رغم مسؤوليات وانشغالات كل مشارك، وإن التزام الأعضاء يجعل الجميع حاضرين بقلبكم، ومساهمين بمحبة حقيقية. فشكرًا على تعبكم، تعاونكم وعلى الطاقة الإيجابية التي أضفتموها للقاء، والتي كانت جزءًا أساسيًا من نجاحه.
كما استقبل المنتدى أعضاء جددا تميّزوا بإنجازاتهم الأكاديمية والعلمية والعملية في مجالات متعددة، ليشكّل انضمامهم إضافة نوعية تثري المنتدى بخبرات جديدة وتوسّع دائرة عطائه وتأثيره.
وأخيرًا الشكر موصول للدكتورة عرين عباسي التي أدارت الحوار بكل حرفية ومهنية، فحافظت على عمق النقاش وتنوعه، وفتحت المجال أمام رؤى واسعة تعكس حجم التحوّل الذي يعيشه الطب اليوم، وحجم التحديات التي تنتظر الأطباء والباحثين في المستقبل.
وكان اللقاء غنيًا بالرؤى، نابضًا بالأسئلة، ومليئًا بإحساس واضح بأننا نقف على أعتاب مرحلة جديدة في عالم الطب الحديث.” وذلك من خلال مداخلات الحضور التي أضفت على اللقاء ثراء وغنى في فتح آفاق متعددة من خدمات الذكاء الاصطناعي. وشارك فيها الأساتذة الأخصائيين والأطباء المعتمدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *