الاجتماع رحمة بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 12/09/2026

الاجتماع رحمة
بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

الاجتماع رحمة، أو قل الجماعة رحمة، تماما كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الطبراني والبيهقي عن النعمان بن بشير عن رسول الله القائل: «الجماعة رحمة والفرقة عذاب». ونحن في هذا الزمان الذي تعددت فيه المشارب، وخاصة في ظل التطور التكنولوجي المتسارع وفي ظل الذكاء الاصطناعي الذي لن يقف عند حد، أصبحنا نرى خلافات وصراعات لا أصل لها، حيث يتصلب كل امرئ في موقفه الذي استقاه من مشربه الخاص، والذي قد تكون غايته زرع الفتنة بين أبناء المجتمع الواحد، أحيانا يحمل راية الدين، ولكنه في سلوكه يخالف هذه الراية التي بين يديه، متجاهلا أن الوحدة والتراحم بين أبناء المجتمع الواحد قوة، وفي ذلك مرضاة لله القائل: «واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون».

ومن أجل هذه الغاية جاء الحث على صلاة الجماعة، وجاء مدح من يلتقون في المساجد لعبادة الله، قال تعالى: «في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار». فهم يجتمعون في بيوت الله فتجتمع قلوبهم، ولا تفرقهم الدنيا إذا صدقوا مع الله. وحتى يبقى هذا اللقاء دائما، حث الرسول عليه في كثير من الأحاديث، ومنها قوله: «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعا وعشرين درجة»، وذلك حتى تبقى الأجساد في تواصل لتتراحم فيما بينها ولا تختلف، لذا قال رسول الله: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»، وكل هذا حتى يتراحم العباد فيما بينهم، لأن الخلافات مرفوضة عند الله ورسوله وعند المؤمنين، وخاصة في مسائل الخلاف من أمور الدين والدنيا التي بها سعة.

قال رسول الله: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». فإن التقينا وتراحمنا تناصحنا وتعاونا على البر والتقوى، لقوله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله». وقد ضرب لنا الرسول الكريم مثل المؤمنين فقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»، وقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». فلما تكون الرحمة يحمل المرء هم أهله وإخوانه وخلانه، ومن أجل ذلك قطع الرسول حبال القطيعة وأسبابها فقال: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه».

ذلك حتى تبقى الرحمة معمّرة صدور وقلوب العباد، لا كما نرى من ألوان شتى لأسباب الخصومات والعداوات، وأسبابها مختلفة، منها ما يكون باسم الدين، ومنها صراعات على الدنيا الزائلة، وأغلب الأحيان على الحرام، ويكون ذلك نتيجة للاستجابة السريعة للشيطان وأعوانه. ومن أجل تحصيننا من ذلك قال رسول الله: «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة -وسطها وأعلاها- فليلزم الجماعة، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن». فالفرقة والعداوة تضعف الأمة وتجعل كرامتها في مهب الريح، وتكون سببا في ضياع مصالحها، قال تعالى: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم».

ولا ريب أن تكون لك وجهة نظر مختلفة عن الآخرين، فالاختلاف في وجهات النظر لا ينبغي أن يكون سببا في الخلاف؛ فعن ابن مسعود قال: سمعت رجلا قرأ آية، وسمعت النبي يقرأ خلافها، فجئت به إلى النبي فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهة، وقال: «كلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا». لأن الرسول يرى فيمن أراد تشتيت شمل الأمة معول هدم، فهو منه براء، وربنا قال: «إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء، إنما أمرهم إلى الله». وكل هذا حري بأن يجعل الناس يكفون ألسنتهم وعداواتهم عمن خالفهم في رأيهم أو كان له موقف مغاير لموقفهم.

وهذا السلوك الذي سلكه سلفنا الصالح؛ فهذا يونس الصدفي يقول: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة؟ بمثل هذا الوعي تكون الرحمة. وقد ورد عنه أنه قال: كلامي صحيح يحتمل الخطأ، وكلام غيري خطأ يحتمل الصواب. وهذه المواقف التي تبقي لغة الرحمة والمحبة بين الناس.

ولننظر إلى اختلاف الصحابة؛ يروى أنه لما أتم عثمان بن عفان الصلاة في الحج، أنكر ذلك عبد الله بن مسعود مبينا أن السنة القصر، ثم لما حضرت الصلاة صلى أربعا، فلما كلم في ذلك قال: الخلاف شر. والفضيل بن عياض كان يقول: المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات. وحتى تبقى الرحمة عنوانا لنا، فلا ينبغي أن نتبع زلات العباد، بل نحاول البحث عن عذر، وإن لم نجد فنصيحة بالسر. قال حمدون القصار: إذا زل أخ من إخوانكم فاطلبوا له سبعين عذرا، فإن لم تقبله قلوبكم فاعلموا أن المعيب أنفسكم، حيث ظهر له سبعون عذرا فلم تقبله.

وليس عبثا أن ذكر لنا القرآن الكريم بعض النماذج في الاختلاف، وهذا الاختلاف لم يفسد الود والرحمة، ومنها قوله تعالى: «قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا، ألا تتبعني أفعصيت أمري؟ قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي». ومنها قوله تعالى: «وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *