بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء ذكرى مولد الرسول ﷺ (1448هـ) (2)

مراسل حيفا نت | 29/08/2026

ذكرى مولد الرسول ﷺ (1448هـ) (2)

بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء

لا يسعني في ذكرى مولد الرسول محمد ﷺ إلا أن أقدّم له التحية العطرة، فأقول: السلام عليك يا رسول الله، أحببناك ولم نرك، وها نحن في ظلّ الفتن نشتاق إلى سيرتك وسيرة حياتك، لعلنا إن تعلّمنا منها وسرنا على خطاك نسلم من ظلالها.

فأنت، كما قال ربك جلّ في علاه، القدوة الحسنة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.

وكيف لا، وأنت صاحب الخُلُق العظيم الذي به يُقتدى، ومن اقتدى بك عزّت مكانته وارتفعت قامته في الدارين. وقد امتدحك ربك فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

وفي هذا المقام، نجدد العهد معك يا رسول الله، ومن عهدنا معك أن نبيّن للناس كافة سيرتك العطرة في ذكرى مولدك. فقد تناولت في المقال السابق بعض فضائلك، وها أنا اليوم أتناول جانبًا من أخلاقك الحميدة.

فقد قال البراء بن عازب وغيره: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقًا. ولما سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خُلُق رسول الله ﷺ قالت: «كان خُلُقه القرآن». ومعنى ذلك أنه كان يعمل بكتاب الله، طاعةً لله واستجابةً لأمره.

وكان رسول الله ﷺ يفتخر بأن الله أدّبه فأحسن تأديبه، ولذلك كانت سيرته العطرة نموذجًا للأخلاق قبل بعثته وبعدها، حتى لقي الله تعالى.

ومما يدل على ذلك أنه عندما وصلت رسالة رسول الله ﷺ إلى ملك الروم، استدعى أحد معارفه من مكة، أبا سفيان، فسأله عن رسول الله ﷺ وعن دعوته وأخلاقه، ثم علّق بقوله: «وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله».

ولما نزل رسول الله ﷺ من غار حراء في بداية الوحي، وقال لخديجة رضي الله عنها: «زملوني، زملوني»، ثم قصّ عليها خبر الوحي، وهو حتى تلك اللحظة لا يعرف ما الذي لقيه، قالت له: «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».

فما أحوجنا في مثل هذه الأيام إلى أن نهتدي بهديه ﷺ، ونتخلّق بأخلاقه.

فعن أنس رضي الله عنه، الذي خدم رسول الله ﷺ عشر سنين، قال: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقًا. فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله لا أذهب. وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ. فخرجت حتى مررت على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: «يا أُنيس، أذهبت حيث أمرتك؟» قال: قلت: نعم، أذهب يا رسول الله.

وإذا أردت أن تتعرّف على خُلُق الإنسان، فاسأل أقرب الناس إليه من أهله، فهم أدرى به. وهذه السيدة عائشة رضي الله عنها، لما سُئلت عن خُلُق رسول الله ﷺ أجابت: «لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخّابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح».

وكيف لا يكون كذلك، وهو المعلّم القائل: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو من تحرم عليه النار؟ على كل هين لين قريب سهل».

ومن أخلاقه ﷺ أنه لم يكن يشغل نفسه بأقوال وأفعال السفهاء، مستجيبًا بذلك لربه القائل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾.

ويروي لنا أنس رضي الله عنه فيقول: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ وقد أثّرت بها حاشية البُرد من شدة جذبته. ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء.

ولم يكن ذلك نتيجة ضعف منه، بل كان دليل قوة وصبر وطاعة لله تعالى.

فالأنصار رضي الله عنهم يروون أنه عندما كان يشتد القتال وتلتقي الجيوش، كانوا يلوذون برسول الله ﷺ، وفي إحدى الروايات أن المسلمين سمعوا في الليل جلبة خارج المدينة، فقاموا إلى خيولهم للخروج، فإذا برسول الله ﷺ قد سبقهم وعاد إليهم على فرس عُرِيّ، يقول لهم: «لا تراعوا، لا تراعوا، هذه فرس فلان ندّت».

ومن أراد مرافقة الرسول ﷺ في الجنة، فعليه أن يحسن خُلُقه. قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بأحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟» فسكت القوم، فأعادها مرتين أو ثلاثًا، قال القوم: نعم يا رسول الله. قال: «أحسنكم خُلُقًا».

ومن رحمته ﷺ أنه كان يرحم الصغير، ويوقّر الكبير، وينصح الناس حتى يكونوا على الصراط السوي.

فقد قال لابن عباس رضي الله عنهما: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».

ويقول لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».

وكان ﷺ السبّاق إلى العبادة والذكر. قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنا لنعدّ لرسول الله ﷺ في المجلس مئة مرة: «رب اغفر لي وتب عليّ، إنك أنت التواب الرحيم».

وكان يجد طمأنينة قلبه وهو يناجي ربه، وكان يقول: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة».

فكان كثير التعبّد، حتى عوتب لأن قدميه تفطّرتا من كثرة قيام الليل، وكان يقوم في ليلة فيقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، فكان ردّه ﷺ: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»

فهنيئًا لمن تخلّق بأخلاقه ﷺ، وأحيا سنته، وسار على هديه، وجعل من سيرته نورًا يهتدي به في حياته.

وكل عام والمسلمون بخير بمناسبة ذكرى مولد النبي محمد ﷺ، سائلين الله تعالى أن يرزقنا محبته، واتباع سنته، والتخلّق بأخلاقه، وأن يجمعنا به في جنات النعيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *