ثلث الإسلام بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 14/08/2026

قد يستغرب البعض هذا العنوان، ولكن الرسول الكريم ﷺ، الذي أوتي جوامع الكلم، وردت عنه أحاديث عظيمة، قال العلماء عن ثلاثة منها إن كل واحد منها يمثل ثلث الإسلام، وهي:

«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

وقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».

وقوله ﷺ: «إن الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس…».

وسأتناول في هذه المقالة الحديث القائل: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، حتى يكون انشغالنا بالأمور العظيمة، وبما يجب أن يكون لنا دور فيه، أما ما سوى ذلك فعلينا أن نتركه؛ لأن من يخوض فيما لا يعنيه لا بد أن يجد ما لا يرضيه، وقد يكون سببًا في كشف ستر الله عن عباده، أو مفتاحًا للشر.

وهذا واقع يعيشه الناس، وخاصة في هذا الزمان، إلا من رحم ربي. فمن أراد أن يحسن إيمانه وتقواه، فعليه أن يترك ما لا يعنيه من شؤون الآخرين، وهي كثيرة. وللأسف، نجد من يقتحم خصوصيات الناس، ويتتبع عوراتهم وأسرارهم، بل إن بعضهم يجد متعة في ذلك.

ومن ترك ما لا يعنيه، كان كامل الأدب، حسن الخلق. ولذلك قال ابن رجب عن هذا الحديث: «أصل عظيم من أصول الأدب».

ومن عظيم الأدب أن يعيش الإنسان مستشعرًا مراقبة الله، مستحضرًا قول النبي ﷺ حين سُئل عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

ومن كان بهذا الحس الإيماني الرفيع، فإنه لا يشغل نفسه بأخبار الناس وأحوالهم، ولا يتتبع عثراتهم، كما لا يشغل نفسه بالمعاصي؛ لأن معصية الله لا تعنيه، ولا المكروهات، ولا فضول المباحات، وإنما يعنيه أن يحقق كمال العبودية لله.

قال تعالى: «ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفًا واتخذ الله إبراهيم خليلًا».

ومفهوم الحديث عند أهل العلم أن من لم يترك ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال، فقد أساء إلى دينه. ومن أراد السلامة في دينه ودنياه، فليشغل نفسه بما يعنيه وينفعه، بعيدًا عن المعاصي؛ لأن المعاصي لا تعني أهل الإيمان.

وهذا يحتاج إلى المبادرة، لأن النفس إذا لم تشغلها بالنافع، شغلتك بما هو ضده. ولذلك قال الإمام الحسن البصري: «عليك بنفسك، إن لم تشغلها أشغلتك».

ويُروى أن لقمان الحكيم سُئل: ما الذي بلغ بك ما نرى؟ فقال: «صدق الحديث، وأداء الأمانة، وتركي ما لا يعنيني».


لكن الواقع يشهد بأن كثيرًا من الناس، إلا من رحم ربي، يشغلون أنفسهم بأمور غيرهم، ويتتبعون عوراتهم، ويكشفون أسرارهم، متجاهلين تحذير الرسول ﷺ: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ويفضحه ولو في جوف بيته».

وهذا النداء النبوي يحذر من أمور ينبغي ألا تعني المؤمن، ومنها الغيبة، وتتبع سقطات الناس، ونشر أخبارهم. فمن فعل ذلك فتح على نفسه أبواب العداوات، وعرّض نفسه لسخط الله.

وقال عبد الله بن عمرو: «دع ما لست منه في شيء، ولا تنطق فيما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن ورقك».

ومن سلك هذا الطريق، لن يجعل لأصحاب الأهواء سبيلًا للطعن فيه. وقد أراد أحدهم السخرية من الأحنف بن قيس، الذي كان سيد قومه وحكيمهم، فقال له: بم سدت قومك؟ فقال الأحنف: «بتركي من أمرك ما لا يعنيني، كما أعناك من أمري ما لا يعنيك».

ويُستدل من هذا الرد على أن التدخل فيما لا يعني الإنسان قد يكون دافعه أمراض القلوب؛ كحب النفس والحقد والحسد، وهي أمراض تدفع صاحبها إلى الغيبة والنميمة والقيل والقال، دون رادع من دين أو حياء.

وقد وقفت على قول لمالك بن أنس: «ليس كل أحد يقدر أن يتكلم بعذره». قال ذلك بعدما تغيب عن اتباع الجنائز والصلوات وغيرها من أعمال البر، فكثر كلام الناس في أمره، فقال هذه المقولة.

وهي مقولة مهمة حتى يقلع البعض عن القيل والقال، بل عليهم أن يلتمسوا الأعذار للناس، بدلًا من أن يتحملوا وزر أقوالهم وأفعالهم.

ولنحسن حالنا، علينا أن نستحضر قول رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».

وقال ﷺ: «استحيوا من الله حق الحياء». قالوا: يا رسول الله، إنا نستحيي والحمد لله. قال: «ليس ذاك، ولكن الحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء».

وقد دقّ رسول الله ﷺ ناقوس الخطر حين توفي رجل من أصحابه، فقال أحدهم: أبشر بالجنة. فقال رسول الله ﷺ: «أوَلا تدري، فلعله تكلم بما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينقصه».

ولهذا جاء في الحديث: «أكثر الناس ذنوبًا أكثرهم كلامًا فيما لا يعنيهم».

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كان من صحف إبراهيم: وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه».

إنّ ترك ما لا يعنينا ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل هو عبادة وأدب وحفظ للدين واللسان والقلوب. فلنشغل أنفسنا بما ينفع، ولنترك للناس خصوصياتهم، ولنتذكر دائمًا أن من حسن إسلام المرء أن يعرف ما يعنيه، وأن يترك ما لا يعنيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *