فلا تأسَ على الدنيا (4): العفة في المطعم مفتاح البركة واستجابة الدعاء بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 07/08/2026

نصل اليوم إلى الحلقة الرابعة والأخيرة من هذه السلسلة التي تناولنا فيها الحديث العظيم الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «أربعٌ إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ الأمانة، وصدق الحديث، وحسن الخليقة، وعفة في طُعمة».

وقد تحدثنا في الحلقات السابقة عن حفظ الأمانة، وصدق الحديث، وحسن الخلق، أما اليوم فنقف مع الوصية الرابعة: العفة في المطعم، وهي دعوة إلى تحري الحلال، والابتعاد عن كل مال اكتُسب بغير حق.

فالعفيف لا تمتد يده إلى أموال الآخرين، ولا يغتصب حقوقهم، ولا يأكل المال الحرام، سواء كان من الربا، أو تجارة المخدرات والمسكرات، أو أكل حقوق الورثة، أو المتاجرة بأعراض الناس، أو بيع الدين من أجل متاع زائل من الدنيا. فكل مال حرام هو سبب لقسوة القلب، وحرمان البركة، والتعرض لعقاب الله تعالى.

ولهذا كان النبي ﷺ يحذر أصحابه من المال الحرام، فقال لكعب بن عجرة رضي الله عنه: «يا كعب بن عجرة… إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به»، بعدما حذره من موالاة الظالمين، وتصديقهم في باطلهم، وإعانتهم على ظلم الناس.

إن الجسد الذي ينمو على الحرام لا يورث صاحبه إلا الشقاء، أما من تحرى الحلال، فإنه يعيش في رحمة الله، وينال بركة الرزق وطمأنينة القلب.

وقد قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا»، ثم ذكر الرجل الذي يطيل السفر، أشعث أغبر، يرفع يديه إلى السماء ويقول: يا رب، يا رب، «ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك؟».

إن الدعاء من أعظم العبادات، ولكن أكل الحرام قد يكون سببًا في حرمان العبد من استجابة دعائه، مهما أخلص في الدعاء وأكثر منه.

وقد جسد السلف الصالح هذا المعنى بأروع الصور. فقد كان المبارك بن واضح، والد الإمام عبد الله بن المبارك، يعمل في بستان للرمان. وطلب منه صاحب البستان يومًا أن يحضر له رمانة حلوة، فجاءه برمانة فإذا هي حامضة. فسأله: ألا تعرف الحلو من الحامض؟ فقال: لم تأذن لي أن آكل منه حتى أعرف الحلو من الحامض. فأُعجب صاحب البستان بأمانته وعفته، وزوجه ابنته، فكان ثمرة هذا الزواج الإمام الجليل عبد الله بن المبارك.

وكانت المرأة الصالحة قديمًا تودع زوجها الخارج إلى عمله بقولها: اتق الله فينا، ولا تطعمنا حرامًا، فإننا نصبر على جوع الدنيا، ولا نصبر على عذاب النار يوم القيامة. وهكذا كانت الزوجة الصالحة تعين زوجها على الحلال، وتذكره بأن بركة الرزق أهم من كثرته.

وقد قال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عندما طلب منه أن يدعو له بأن يكون مستجاب الدعوة: «يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة»، ثم قال: «والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه، ما يُتقبل منه عمل أربعين يومًا، وأيما عبد نبت لحمه من سحت، فالنار أولى به.»

ومن أجمل ما يدعو إليه الإسلام أن يسعى الإنسان إلى الكسب الحلال، لأن كل نفقة ينفقها على زوجته وأولاده يؤجر عليها، بل هي صدقة له عند الله. ولذلك قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾.

فالكسب الحلال يصلح القلب، ويبارك العمر، ويقوي الإيمان، ولذلك قال سبحانه: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾، ثم فتح باب الأمل بقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.

وكثيرًا ما يخاف الناس الفقر ويقلقون على أرزاقهم، بينما يطمئننا رسول الله ﷺ بقوله: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها.»

وفي ختام هذه السلسلة، يوجه النبي ﷺ نداءً لكل من ظلم أحدًا أو أخذ حقًا ليس له، فيقول: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو من شيء، فليتحلله منها اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات، أُخذ من سيئات صاحبه فحُملت عليه.»

وبذلك تكتمل الوصايا الأربع التي جمعها رسول الله ﷺ في حديث واحد: حفظ الأمانة، وصدق الحديث، وحسن الخلق، والعفة في المطعم. فمن حافظ عليها فقد جمع أصول الأخلاق، وأسباب السعادة، وطمأنينة القلب، وربح الدنيا والآخرة، وعندها يصدق فيه قول النبي ﷺ: «فلا عليك ما فاتك من الدنيا.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *