تدخل الى بناية “بيت الكرمل، الثقافي التربوي والحقوقي” القريبة من أحياء وادي النسناس والألمانيّة، فتنفعل من قدرة مؤسّسة فلسطينيّة على امتلاك صرح من هذا النوع في قلب الأحياء التاريخيّة العربيّة للمدينة. قاعات تعليم، مكتبة على اسم بولص فرح وسلمان ناطور، جاليري للفنّان أشرف فواخري، مساكن للطلّاب، ومرافق لمبادرات صغيرة، بينها مكاتب للمحاماة والمحاسبة والحوسبة، ومكتب اعلام وموقع محلي,ومؤسّسات أهليّة انطلقت من هذا الموقع نحو العالم الكبير. من سكن في مساكن الطلّاب بقرية عسفيا، ثمّ في شارع بن يهودا 16 في حيفا، يتذكّر الحديث حينها عن بناية تحتضن الشباب والطلّاب الثانويّين والجامعيّين، كحلم تطلّب الكثير من الإصرار والمثابرة على مدى عقود من الزمن.
دخلنا الى البناية خلال ورشات الشباب الصيفيّة. عشرات الشباب والصبايا يتنقّلون بين غرف الفعاليات والحديقة والمطبخ. حين تدخل إلى المكان تشعر وكأنّك خارج مدينة حيفا. حيّز آمن يشعر مَن يدخله بهويّة المكان وتاريخه من خلال عملية استصلاح حافظت على القناطر والمبنى الحجريّ العريق وشجر الليمون وغيره في أنحاء الحدائق.
يسارع جعفر فرح، مؤسّس ومدير “مركز مساواة”، إلى القول: “لم أكن وحدي في هذه المسيرة، ما تراه الآن كان خرابة، بناية مهجورة، احتضنت في السابق شركة النفط العراقيّة وقنصليّة بريطانيّة، وعادت في ملكيّتها لعائلة منصور. كنّا مجموعة من الشباب والصبايا، تطوّعنا واشترينا البناية واستصلحناها، بعد أن كانت مهجورة لمدّة تزيد عن عشرين عامًا، وكان يرتادها تجّار المخدِّرات ومتعاطوها. أنقذناها، وحوَّلناها الى منبر ثقافيّ وتربويّ وحقوقيّ، بفضل العمل الجماعيّ الدؤوب الذي قامت به مجموعة متماسكة تؤمن ببعضها وتحبّ شعبها”.
لا يبعد البيت الذي عاش فيه جعفر بحيّ وادي النسناس عن بناية “الكرمل”. جعفر انتخب من قبل أعضاء مجلس الجبهة للموقع الثاني في القائمة لانتخابات الكنيست. انتقلت عائلته إلى “بيت سليم سبيردون” لتعيش بالفتوحيّة عام 1974 . بعدها بعام انتقل جعفر للعيش في القسم الداخليّ لمدرسة المطران. والده المريض لم يستطع أن يعيل العائلة ووالدته عملت من أجل تسديد الفواتير.
لم تكن المرّة الأولى التي يترشّح فيها فرح للانتخابات. “انتخبتُ كرئيس لمجلس الطلّاب في مدرسة المطران، ولاحقًا كرئيس لجنة الطلّاب العرب في جامعة حيفا ورئيس الاتّحاد القطريّ للطلّاب الجامعيّين العرب”. ويضيف: “يعود الفضل لوالدتي التي أصرّت أن نتعلّم لنخرج من دائرة الإفقار التي عشناها. نشطت والدتي في حراك “نساء بالسواد”، وأصرّت أن ننضمّ إلى الشبيبة الشيوعيّة”. ويضيف: “أعتبر أنّ أوّل من علّمني العمل الاجتماعيّ كان نعيم عبيد الذي أدخلني معه الى بيوت الحيّ لنوزّع جريدة “الاتّحاد”. تعلّمتُ منه العمل المجتمعيّ. تجربتي في الناصرة كانت مميَّزة، ولا زلتُ حتّى اليوم على تواصل مع أبناء صفّي، ومع رفاق مخيّمات العمل التطوّعيّ التي صقلت الكثير من هويّتنا السياسيّة والوطنيّة والاجتماعيّة. هناك أسوار في أحياء الناصرة أمرّ بجانبها إلى يومنا هذا وأتذكّر تفاصيل بنائها خلال المخيّمات التي شاركنا فيها من كلّ أنحاء البلاد، لمواجهة سياسة التمييز التي مورست ضدّ الناصرة”.
قيادة الحركة الطلّابيّة في الجامعات
توقّع الكثيرون أن يختار جعفر الدراسة في الاتّحاد السوفييتيّ. ولكنّه أصرّ أن يبقى إلى جانب والدته وأخيه بعد وفاة والده. التحق بجامعة حيفا لدراسة التربية وعلم الاجتماع، ولكنّه سرعان ما تحوّل إلى هدف للمخابرات في حيفا ولأمن الجامعة. طُرِد من دراسته في السنة الأولى بعد أن تصدّى مع الطلّاب العرب لقائد الجيش الإسرائيليّ في حينه، رفائيل إيتان، بخطابه العنصريّ: “سنحوّل العرب إلى صراصير”. تمّ تقديمه مع صديقه ومرشده في الحزب الشيوعي ولجنة الطلاب العرب، أمير مخول، للمحاكم التأديبيّة. فُصِل عن الدراسة وتمّ استدعاء والديه للتحقيق في شرطة حيفا. ولم يمرّ وقت طويل حتّى تمّ اعتقاله من قبَل جهاز الأمن العامّ (“الشاباك”) واقتياده الى التحقيق في زنازين “الجلمة”. لم يعترف في التحقيق معه، وتمّ تقديم لائحة اتّهام بحقّه بسبب اعتراف أحد المعتقلين.
لا يذكر فرح المرّات التي اعتُقل فيها منذ ذلك الحين، ولكنّ اعتقال عام 1989 واعتقال عام 2018 تحوّلا إلى اعتقالين حظيا بتغطية إعلاميّة واسعة نسبيًّا، ودفع فرح بسببهما ثمنًا اقتصاديًّا وجسديًّا.
في أعقاب مجزرة ريشون لتسيون، في أيّار 1990، أغلق الطلّاب العرب جامعة حيفا بمظاهرة صاخبة. حاولت مجموعة من اليمين الفاشي الاعتداء عليهم ولكنّها فشلت. نجحت المظاهرة في إسماع صوت الطلّاب العرب واليهود التقدّميّين. بعد المظاهرة قامت مجموعة من الطلّاب اليهود بتقديم شكوى في الشرطة مدّعين أنّ جعفر اعتدى عليهم خلال المواجهات. حاز اعتقاله على تغطية “إعلاميّة واسعة، ومدّدت الشرطة اعتقاله لمدّة تسعة أيّام، وقدّمت بعدها لائحة اتّهام ضدّه. أقيل في أعقاب هذا الاعتقال من عدد من أماكن العمل التي عمل فيها، واضطرّ إلى العمل في المطاعم. كما فُصِل لمدّة ثلاث سنوات من الدراسة الجامعيّة.
العمل الصحفي
في أعقاب تقرير نُشر عنه في الإعلام، تقدّم بطلب للعمل في الصحافة. يقول: “لم أتوقّع أن أعمل في مجال الصحافة، وكان من الواضح أنّني لن أُقبل للعمل في جهاز التربية والتعليم. باشرنا في تأسيس جمعيّة التوجيه الدراسيّ لتقديم التوجيه المهنيّ للشباب، ونظّمنا خطّ باصات للطلّاب العرب من الناصرة إلى معهد التخنيون وجامعة حيفا”.
عُرض عليّ العمل في الصحافة العربيّة والعبريّة، ووجدتُ نفسي أعمل على تغطية أخبار المعاهد الأكاديميّة، بما في ذلك جامعة حيفا ومعهد التخنيون والمناطق الفلسطينيّة المحتلّة عام 1967. دخلت إلى مخيّمات اللاجئين في غزّة ومخيّم جنين للاجئين. يقول جعفر: “تعرّفتُ على المناضل زكريّا زبيده كطفل، وكنتُ شاهد عيان على تدمير منزل عائلته عدّة مرّات في مخيّم جنين. احتفلنا معهم ببناء مسرح الحرّيّة، وآلمنا وأفجعنا كثيرًا العدد الكبير من أطفال المخيم الذين استشهدوا خلال سنوات الانتفاضة الأولى والثانية”.
علّم الصحافة والإعلام والعلاقات العامّة في “كلّيّة الإدارة”، وأقام مكتبًا للعلاقات العامّة لتقديم الخدمات الإعلاميّة لمؤسّسات أهليّة وثقافيّة، من ضمنها مسرح “الميدان”.
استقال فرح من عالم الصحافة العربيّة والعبريّة في أعقاب هدم منازل في قرية أمّ السحالي المجاورة لمدينة شفاعمرو. يقول: “كان الهدم في أمّ السحالي هو اللقاء الأوّل لي مع ضابط اللواء الشماليّ سيّئ السمعة، أليك رون، المسؤول عن أوامر قتل الشباب العرب خلال مظاهرات القدس والأقصى في أكتوبر 2000”. اعتدى أليك رون على أصحاب المنازل، وعاد ليهدمها بعد أن قامت الجماهير بإعادة بناء ما هُدم. كانت ليلة دامية أصيب خلالها العشرات واستخدم فيها الغاز المسيّل للدموع والهراوات والرصاص المطّاطيّ. ويضيف: “حضرتُ في صباح اليوم التالي إلى مقرّ الصحيفة وطلب منّي المحرِّر أن أنقل التغطية الصحفيّة لمراسل آخر، بسبب “موقفي” الداعم لأصحاب المنازل. رفضتُ طلبه واستقلتُ من الصحيفة. بعدها عُرض عليّ أن أعمل في التلفزيون وفي صحيفة “هآرتس”، ولكنّني قرّرتُ ترك عالم الصحافة والتعليم لصالح بناء مركز مساواة.
تأسيس مشروع المرافعة البرلمانيّ
“انطلقنا، مجموعة من الجمعيّات والشباب، لتأسيس أوّل برنامج للمرافعة البرلمانيّة. حاولتْ بعض المؤسّسات التضييق علينا، ورفض مسجِّل الجمعيّات تسجيلنا كمؤسّسة أهليّة. ترافع عنّا في حينه طاقم من جمعيّة حقوق المواطن، وكان من ضمنه د. يوسف جبارين، الذي انضمّ بعد عودته من الولايات المتّحدة الى طاقم مركز مساواة. لم تكن الانطلاقة سهلة، ومرّت مرحلة التأسيس بفترة حوالي سنة دون ميزانيّات وموارد. عملنا إلى جانب السلطات المحليّة العربيّة، وأذكر إضراب رؤساء السلطات المحليّة عام 1999 الذي قاده شوقي خطيب ورامز جرايسي والشيخ رائد صلاح. كانت تلك مرحلة نضاليّة مهمّة. رفضت السلطات المحليّة العربيّة الاكتفاء بالفتات. كانت الأحزاب السياسيّة هي التي تقود نضال السلطات المحليّة العربيّة. أغلقوا الشوارع المحاذية لمكاتب رئيس الحكومة، وحصلوا في نهاية النضال على ميزانيّة بقيمة 4 مليارات شيكل.
ولكن بحجم توقّعات القيادة العربيّة من حكومة إيهود براك في تلك الفترة كان حجم خيبة الأمل. إذ أفشل براك المفاوضات مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وأرسل الجيش لمحاصرة المدن الفلسطينيّة وقتل محمّد الدرّة، وأرسل الشرطة لقمع مظاهرات الجماهير الفلسطينيّة في الداخل، ما أدّى إلى سقوط 14 شهيدًا.
التقيت مع عائلات الشهداء والمصابين في المستشفيات. أخبرتُ والد الشهيد محمّد صيام بوضع ابنه الصحيّ وبموته السريري، وما زلنا على علاقة قويّة ربطتنا تلك اللحظات. استقبلتُ في مستشفى رمبام عائلة الشهيد وسام يزبك بعد إصابته خلال اعتداء أهالي نتسيرت عيليت على أهل الحارة الشرقيّة. رافقتُ منذ تلك الأيّام عشرات العائلات التي قُتل أبناؤها بأيدي رجال شرطة أو مدنيّين أو جنود. هذه من أصعب المهامّ التي قمتُ بها في مركز مساواة”.
لم تكن مهمّة بناء مركز مساواة مهمّة سهلة، ولكنّ فرح تمكّن من بناء علاقات دوليّة ومحليّة قويّة. كان له وللمركز تأثير على سفراء عدد كبير من الدول، بينهم سفير جنوب أفريقيا السابق، إسماعيل كوباديا، الذي هدّد بالرجوع إلى بلاده إثر حملة اعتقالات نفّذتها الشرطة، في أعقاب مظاهرة احتجاجيّة ضدّ الاعتداء على أسطول الحرّيّة. عملتْ حكومة جنوب أفريقيا على احتضان مفاوضات المصالحة بين فتح وحماس، ورأتْ أنّ نموذج القائمة المشتركة، بين الحزب الشيوعيّ والتجمّع والحركة العربيّة للتغيير والحركة الإسلاميّة، هو نموذج متقدّم يمكن الاستفادة منه في المصالحة الفلسطينيّة. ولكنّ هذه المحاولات التي شهد عليها فرح فشلت إثر تدخّل دول عربيّة تعتبر نفسها راعية للتنظيمات الفلسطينيّة.
عام 2019، نظّم فرح أوّل وفد للقائمة المشتركة بكافة مركّباتها، لعقد اجتماعات رفيعة المستوى مع وزراء وقيادات الاتّحاد الأوروبيّ، واستقبلت خلالها وزيرة خارجيّة الاتّحاد الأوروبيّ، فيديريكا موغيريني، رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة، كما استقبل وزير خارجيّة لوكسمبورغ أعضاء الكنيست د. أحمد طيبي، د. يوسف جبارين، طلب أبو عرار . والتقى وفد آخر شمل د. يوسف جبارين ومسعود غنايم مع رئيس OECD في باريس. واعتبرت هذه الاجتماعات رافعة مهمّة لمكانة المؤسّسات الأهليّة والسياسيّة للمجتمع العربيّ دوليًّا.

تجربة التلفزيون العربيّ
من لم يعش مع فرح لا يعرف أنّه كان مديرًا لمحطّة تلفزيونيّة لفترة تجاوزت السنتين. في عام 2011 قام فرح بتحقيق أحد أحلامه حين أجبر وزارة الاتّصالات على نشر مناقصة لترخيص محطّة تلفزيون محليّة. يقول: “شكّلنا مجموعة استثمار ودخلنا إلى المناقصة، وفازت فيها المجموعة. لم أنوِ العمل في مجال التلفزيون، ولكنّ حلم إقامة محطّة تلفزيون محلّي يروي قصصنا رافقني منذ عملي الصحفيّ في التسعينات”.
لكنّ الخلافات التي نشأت داخل مجموعة الاستثمار سرعان ما أدخلت محطّة “تلفزيون هلا” في أزمة ماليّة كادت تؤدّي إلى إغلاق المحطّة. قام فرح، بطلب من الشركاء، بإدارة المحطّة وتثبيت وضعها الاقتصاديّ وإجراء مفاوضات مع مجموعة المستثمرين لإنهاء الخلافات بينهم والاتّفاق على بيع المحطّة لأحدهم. وهذا هو ما حصل بالفعل. لاحقًا، قام فرح بإقناع السلطة الفلسطينيّة بإقامة محطّة تلفزيون “فلسطين 48” التي أصبح اسمها لاحقًا “مساواة”. رفض فرح إدارة المحطّة الجديدة وعاد إلى موقعه في مركز مساواة.
يقول فرح: “تجربة إقامة مجموعة الاستثمار كانت مفيدة ويمكننا أن نتعلّم منها. للأسف، نحن لا نملك هذه الثقافة الموجودة بقوّة في الضفّة الغربيّة والعالم العربيّ. لكنّ تجربة إقامة محطّة تلفزيونيّة كانت تستحقّ الجهد رغم الخسائر الماديّة والتوتّر الذي رافق هذه التجربة. يسعدني أن أرى طواقم الشباب والصبايا التي تعمل على إنتاج مضامين لمحطّات التلفزيون، وكلّي أمل أن نستطيع إنشاء صندوق للسينما الفلسطينيّة لكي تروي قصصنا. التمييز بحقّ الثقافة الفلسطينيّة ومحاولة تشويه قصصنا الإنسانيّة من خلال التمويل تؤدّي إلى هجرة المبدعين والمبدعات في محاولة لاقتناص الفرص للحصول على تمويل لدعم السينما والتلفزيون والمسرح. القيادة السياسيّة يجب أن تعطي الثقافة حقّها، نجحنا بتحصيل تمويل لبناء 7 قصور ثقافية ومن المهم بناء مضامين ثقاقية”.
اعتقال عام 2018
من يبحث في الشبكة الإلكترونيّة عن جعفر فرح يجد مجموعة كبيرة من المقالات التي نشرت في أعقاب اعتقاله يوم 19.5.2018 من قبَل شرطة حيفا. شارك ابناء جعفر، باسل وبيسان، في مظاهرة ضدّ عمليّة عسكريّة على غزّة، قمعتها الشرطة واعتقلت 20 شابًّا. توجّه جعفر إلى موقع المظاهرة وطلب من الشرطة وقف الاعتداء على المتظاهرين، فقام ضابط محطّة شرطة حيفا باعتقاله.
فور وصوله الى محطّة الشرطة شاهد الدماء على وجوه المعتقلين، وبينهم ابنه بيسان وابن أخيه مجد. عندما واجه رجال الشرطة، قام أحدهم بالاعتداء عليه جسديًّا وهو مقيَّد وكسر ركبته. تمّ توثيق اعتقال فرح وتحوّل اعتقاله إلى قضيّة رأي عام محليّة ودوليّة كمدافع عن حقوق الإنسان.
هاجم القائد العام للشرطة ووزير الأمن الداخلي، غلعاد أردان، جعفر فرح في وسائل الإعلام. بعد إطلاق سراحه عاد ليشارك في المظاهرات ولم يسمح بكسر معنويّاته. حاولت الشرطة كسر عائلته، فاعتقلت ابنه خلال هبّة أيّار 2021 ومنعته من التشاور مع محامٍ، ونقلته إلى مقرّ المخابرات في الجلمة وبيتاح تكفا. أطلق سراح ابنه بدون تقديم لائحة اتّهام بحقّه.
خاض فرح معركة قضائيّة ضدّ الشرطة، في المسارين الجنائيّ والمدنيّ، أدّت بعد سبع سنوات إلى إدانة الشرطيّ المعتدي، ليئور حاتام، وإرساله إلى السجن مع الأشغال للمصلحة العامّة، وإلى إقالته من سلك الشرطة. يؤكّد فرح: “أنصح من يتمّ الاعتداء عليه أن يتابع القضيّة بمساريها المدنيّ والجنائيّ بالتوازي. يجب مواجهة العنصريّة والعنف الممارس ضدّنا. هذه مسؤوليّة فرديّة وجماعيّة”.



النشاط الحزبيّ
“حواري مع أولادي أقنعني بالعودة إلى النشاط الحزبيّ بكلّ قوّتي. هذا النشاط الذي منحني الكثير خلال الثمانينات تراجع كثيرًا في السنوات الأخيرة. كنتُ أتألّم عندما أرى مقرًّا مغلقًا للحزب. قرّرتُ أن أعود لقيادة النشاط الحزبيّ، فترشّحت لعضويّة سكرتارية الجبهة وحصلت على دعم 82% من أصوات أعضاء مجلس الجبهة، وشعرت بالأمل الذي عاد إلى عدد كبير من الرفاق والرفيقات الذين يئسوا من العمل الحزبيّ، ولهم أقول: الحزب والجبهة بحاجة إليكم”.
هناك من لم ترق له عودة فرح إلى النشاط الحزبيّ، الذي لم يتركه رسميًّا. وقام البعض بمحاولة التحريض عليه على الشبكات الاجتماعيّة.
تعود للنشاط الحزبيّ بعد انهيار المعسكر الاشتراكيّ؟
نعم، أعتقد أنّ قيم العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للموارد والسلام العالمي والتعليم المجانيّ وحقوق العمّال هي قيم لا يمكن أن تنهار . انهيار المعسكر الاشتراكيّ، خصوصًا في أوروبا الشرقيّة، مرتبط بعدم تطوير الفكر وبسوء التنظيم والإدارة. علينا تطوير هذا الفكر والتعلّم من الأخطاء التنظيميّة والفكريّة. هناك دول في أوروبا الغربيّة تعتبر نفسها أقرب إلى فكر العدالة الاجتماعية ولا تُعرِّف نفسها على أنّها اشتراكيّة. انهيار بعض الأنظمة أجبرنا، على المستويين الفرديّ والجماعيّ، أن نناقش الفكر الاشتراكيّ وتطوير التنظيم. نرى اليوم حركات بقيادة أشخاص مثل رئيس بلديّة نيو يورك، زهران ممداني، تتبنّى الفكر الاشتراكيّ جزئيًّا. النظام الرأسمالي متوحّش، وهذا ما نراه في جنوب أمريكا وبعض دول شرق أوروبا والولايات المتّحدة وأفريقيا. ثمّة شركات تملك كميّة هائلة من الأموال فتشتري أحزابًا سياسيّة وترسل جنودًا للسيطرة على الموارد الطبيعيّة لدول الجنوب. التوزيع العادل للثروة والموارد الطبيعيّة على شعوب العالم هو الحلّ الأمثل.
هل هناك أمل بوحدة بين الأحزاب التي تمثّل الجماهير العربيّة ؟
أعتقد أنّنا، مثل أيّ جماهير، نستحقّ أن تكون لدينا أحزاب سياسيّة تتنافس وتعرض على الجمهور الفكر والتنظيم. للأسف، لسنا مثل سائر شعوب العالم، كوننا أقلية ننتمي لشعب يكافح لتقرير مصيره، ورفع نسبة الحسم جعلتنا نبني قائمة مشتركة عام 2015. كتبتُ حينها أنّ القائمة المشتركة ستضطرّنا إلى إجراء انتخابات داخليّة لفحص قوّة الأحزاب السياسيّة في انتخابات 2019. للأسف، لم تقم الأحزاب بتطوير آليّات لفحص قوّتها وشعبيّتها بين الناخبين، وانهار هذا التحالف. وما ستقرّره لجنة الوفاق هذه المرّة لن تقبل به الأحزاب في الانتخابات القادمة. القضيّة ليست خلافات على الكراسي، هي خلافات فكريّة شرعيّة بين ثلاثة تيّارات “الوطني – الأمميّ الشيوعيّ”، “الوطنيّ الفلسطينيّ العروبيّ” والتيار الذي تمثّله الموحّدة “إسلاميّ مندمج”، وهو نموذج مختلف عن النموذج الإسلاميّ الشماليّ. الخلافات بين التيارات شرعيّة، وعلى كلّ تيّار أن ينافس لإقناع الجمهور بموقفه الفكريّ. من المؤسف أنّ هذا التنافس يحدث على هامش الانتخابات للكنيست.
كيف ترى العلاقات بين التيّارات؟
للحفاظ على حيّز للحوار، ينبغي على التيّارات تطوير آليّات عمل داخل لجنة المتابعة العليا. في ظلّ غياب منظومة حوار وتحكيم في مجتمعنا، لجأت الأحزاب السياسيّة إلى “لجنة الوفاق”، بسبب عدم ثقتها بالقدرة على التحكيم ضمن لجنة تحكيم، تنبثق عن لجنة المتابعة العليا. أهمّية “لجنة الوفاق” ناتجة عن غياب آليّة حسم في الخلافات بين الأحزاب السياسيّة. ولكنّ الحاجة إلى هيئات تحكيم أعمق بكثير من الانتخابات. علينا إيجاد آليّات فحص وتحكيم في الخلافات قبل أن تتحوّل إلى عنف.
هناك المحاكم الإسرائيليّة إمكانيّة واردة ويمكن التوجّه إليها؟
المحاكم الإسرائيليّة لم تنجح في حسم القضايا الخلافيّة داخل المجتمع العربيّ، والكثير من الخلافات بين العائلات والجيران والمجموعات تفاقمت إلى عنف بسبب عدم وجود آليّة لفحص الخلافات والتحكيم المجتمعيّ. وزارة القضاء بنت آليّة “التجسير”، ولدينا هيئات “الصلحة” التي تتدخّل بعد أن يتحوّل الخلاف إلى عنف. نحتاج، وبسرعة، إلى هيئة للتحكيم ولفحص الخلافات المجتمعيّة قبل تحوّل هذه الخلافات إلى عنف. الخلاف بين الأخوة على الميراث، أو الاتّهامات في قضايا لا يمكن التوجّه بها إلى المحاكم – تحتاج إلى آليّة تحكيم مجتمعيّة.
ما هي المجالات التي ستتابعها في عملك البرلمانيّ؟
قمتُ بوضع برنامج متكامل في مجال التطوير الاقتصاديّ، وبتقسيم المهامّ بيني وبين القانونيّ، د. يوسف جبارين. أعتقد أنّني سأركّز أكثر على القضايا الاقتصاديّة، وأهمّها تشغيل الشباب والصبايا، بناء المناطق الصناعيّة، بناء الكلّيّات في البلدات العربيّة، متابعة سياسة التخطيط والبناء وقضايا الفقر والرفاه الاجتماعيّ. نجحنا من خلال مركز مساواة في تحصيل ميزانيّات تزيد عن عشرين مليار شيكل، وقد استثمرت في بناء مدارس وأحياء جديدة ومناطق صناعيّة، ولكنّ حقّنا أكبر من ذلك. ميزانيّة الدولة السنويّة تتجاوز الـ 650 مليار شيكل، وعلينا تحصيل حقّنا في الثقافة والمواصلات العامّة والشوارع.
هل نحن أمام مرحلة مصيريّة، فعلًا؟
إذا كان كلّ ما شاهدناه في غزّة، وتدمير المخيّمات الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة، والحرب من إيران إلى بيروت غير كافٍ، فدعنا نذهب الى تل عراد والعراقيب وام الحيران في النقب وطمرة وكابول ومصمص لنرى المنازل التي هدمتها الحكومة. هناك من يحصل على التأمين الوطني ويدفع الضرائب ويدعو إلى مقاطعة الانتخابات. العصيان المدنيّ وعدم الاعتراف بمؤسّسات الدولة يبدأ بالامتناع عن دفع الضرائب أوّلًا. حقّنا في التصويت انتزعناه، وممارسته واجب علينا لتغيير السياسات. في جنوب أفريقيا، أحد المطالب كان الحقّ في التصويت. انظر ماذا يحدث في القدس الشرقيّة التي تمّ ضمها، وتمارس فيها الحكومة الإسرائيليّة انتهاكات الاحتلال.
تتحدّث عن تنظيم الجماهير العربيّة الفلسطينيّة – هل هذا كافٍ فعلًا؟
تنظيم الجماهير العربيّة الفلسطينيّة بنقابات عمّال، لجان طلّاب، جمعيّات مهنيّة وشركات وتعاونيّات هي مرحلة مهمّة ومصيريّة، ولكنّها غير كافية. 70% من العرب يلتقون يوميًّا مع اليهود في أماكن العمل والتعليم. لكي نتمكّن من تغيير واقعنا من المهمّ أن نحرّر اليهود من “الجيتو” الذي فُرض عليهم من قبل أحزابهم وحكوماتهم. نحن وجه شعبنا الفلسطيني وشعوب المنطقة العربية، وعلينا تحرير اليهودي من الاستعلاء ومعاداة الشعب الفلسطينيّ والمنطقة العربيّة إلى الأبد. هذا مشروع تحرّريّ، أشبه بتجربة جنوب أفريقيا. تنظيم نضالنا وصوتنا مهمّ ومصيريّ، ولكنّه غير كافٍ. نستطيع أن نحصل على 15-17 عضو كنيست، ولكنّنا سنبقى أقليّة وسنحتاج إلى بناء تحالفات، دون أن نتنازل عن هويّتنا وحقوقنا.






