رشدي الماضي
تؤكد الدراسات المعتمدة أنَّ موضوع “الأجناس الأدبية” برز منذ العصور اليونانيّة القديمة. خاصّة في أبحاث أفلاطون وأرسطو، حين قسَّما الأدب إلى أجناس متعددة، وأكَّدا على أنَّ لكلّ جنس خصائصه وسماته المميّزة المُتكئة على عنصر المحاكاة…
ويعتبر أرسطو من روّاد المنظرين الذين وضعوا الّلبنات الأولى لنظريّة الأجناس الأدبيّة..
لذلك قسَّم الشِّعر في كتابهِ “فنَّ الشعر” إلى أكثر من نوع، كالشِّعر الملحمي والراجيدي والكوميدي، وقد استمرَّ هذا التقسيم سائداً العصور طويلة نظراً لدقّتهِ ووضوحه.
أمّا أفلاطون فقد بلور في كتابه “الجمهوريّة” فكرة الجنس الأدبي، وميّز بين أساليب التّعبير الأدبي، كالسَّرد القصصي ونظيره السّرد المسرحي…
والمعروف أنَّ مصطلح “الأجناس الأدبيّة” اكتسب اهتماما كبيراً في القرن السّابع عشروالقرن الثّامن عشر، حيث تعامل معه النَّقّاد آنذاك على أنَّ كلّ جنسٍ أدبيّ هو كائن حيّ وقائم بذاتِهِ، ورأَوا أنّ لكلّ جنس حدوداً لا بدَّ من الحفاظ عليها، فشكَّلت هذه الحدود الأُسس الرئيسة لموضوع النَّقد الكلاسيكي، الذي أكّد على أهميّة وضرورة الإلتزام بقواعد كل جنس وأنماطه المُحدّدة…
وحين نُعرّج إلى السِّياق النّقدي نرى أَنَّ للأجناس الأدبيّة وجوداً تاريخيّاً حقيقياً، وجوداً لا يعني أنّ هذه الأجناس مجرّد مقولات تجريديّة، لأنّها في حقيقتها سردٌ ابداعيّ يتجلّى ضمن سياقات تاريخيّة وثقافيّة، جعلتها مرايا تعكس النّوع الأدبي وماهيّة العلاقة الجماليّة التي يُقيمها الإنسان مع البيئة التي يسكنها وطناً، وتمَكَّنَ من خلال هذه العلاقة أنْ يُفرز في كلّ مرحلةٍ تاريخيّة أنواعاً أدبيّة تتماهى مع وعيهِ وقدراته الخلّاقة…
وزيادةً للتّوضيح وأنا بصدد الحديث عن تداخل الأجناس الأدبيّة، ألجُ إلى تداخل النَّصّ النّثري مع الشّعر لأُسجّل أنَّ رغم اعتماد هذا الشّعر لغةً على الصُّورة المكثّفة والإيقاع الدّاخلي والانزياح الدّلالي، لا يتحوّل النّصّ إلى قصيدة قائمة بذاتها، لأنَّ السّرد يظلّ حاضراً كأطار عام حتّى حين تتخلّلهُ ومضات شِعريّة، تساهم في تعميق التّجربة الإبداعيّة وتوسيع أُفق الدّلالة…
وعليه، يؤدي هذا التّداخل بين السّرد واللغة الشِّعريّة إلى بلورة وانتاج مستوى دلالي يتّكئ على الإلهام والايحاء بعيداً عن المباشرة،.. مِمّا يزوّد النّصّ بعمق وقدرة، على مخاطبة المتلقي كشريك في انتاج المعنى






