مأساة عائلة تحولت إلى أمل لعائلة أخرى

مراسل حيفا نت | 20/07/2026

قلب الطفلة سبأ بدير (6 سنوات ونصف) من كفر قاسم أنقذ حياة طفل (3 سنوات ونصف) من القدس، بعد أن انتظر تسعة أشهر لزراعة قلب، وعالجه طبيب فقد ابنه في الحرب العام الماضي

الأربعاء، 24 يونيو – بينما كان والد رفائيل في طريقه إلى نيويورك، وكانت حقائب السفر جاهزة، غيّرت مكالمة هاتفية واحدة كل شيء. مأساة عائلة تحولت إلى أمل لعائلة أخرى، في عملية طبية معقدة قادها مركز شنايدر الطبي للأطفال والمركز الطبي سوروكا من مجموعة كلاليت.

على مدار تسعة أشهر، لم يغادر رفائيل، البالغ من العمر ثلاث سنوات ونصف، مركز شنايدر الطبي للأطفال. تحولت غرفته في المستشفى إلى منزله، وأصبح أفراد الطاقم الطبي رفاقه، بينما كان جهاز صغير أزرق يُعرف باسم “برلين هارت” (Berlin Heart)، يشبه ثلاجة صغيرة على عجلات، هو الوسيلة التي أبقته على قيد الحياة.

وُلد رفائيل وهو يعاني من عيب خلقي معقد في القلب، وخضع لأول عملية جراحية عندما كان في الثالثة والنصف من عمره بالأشهر، تلتها عمليات دخول متكررة إلى المستشفى وعلاجات عديدة. ورغم الجهود الكبيرة التي بذلها الأطباء، استمرت حالة قلبه في التدهور.

رافق الدكتور أميحاي روطشتاين، اختصاصي أمراض القلب لدى الأطفال في مركز شنايدر، رفائيل منذ أن كان في عامه الأول. ويقول: “مررنا بمحطات صعبة كثيرة. واضطررت إلى إبلاغ العائلة بأننا لا نسير في الاتجاه الصحيح، وأن قلب رفائيل يواصل الفشل، وأنه سيحتاج على الأرجح إلى زراعة قلب”.

وعندما انهار قلب رفائيل خلال إحدى العمليات، تم وصله أولًا بجهاز ECMO، ولاحقًا بجهاز القلب الاصطناعي Berlin Heart.

ويقول الدكتور روطشتاين: “فجأة رأينا طفلًا مختلفًا. طفلًا بالكاد كان يستطيع ممارسة حياته، عاد يأكل ويزداد وزنًا ويبتسم من جديد. الأطفال يمتلكون قدرة مدهشة على التكيف، وقد تعلّم رفائيل التعايش مع الجهاز والتعامل مع الأنابيب وكأنها جزء من جسده”.

وتقول والدته إن رفائيل كان يدرك تمامًا أن الجهاز هو الذي يحافظ على حياته: “كان يعلم أن جهاز الـ Berlin Heart يحميه. وكلما أصدر الجهاز صوتًا، كان يسارع للتأكد من أن الأنابيب ليست ملتوية. وفي الليل كان يذكرني بضرورة وصله بالجهاز. لقد أحب هذا الجهاز لأنه كان يعلم أنه يمنحه الحياة”.

لكن الوقت كان ينفد. وبعد تسعة أشهر من الانتظار، قرر الأطباء نقل رفائيل إلى الولايات المتحدة، حيث تكون فترة الانتظار للحصول على قلب أقصر.

وكان والده قد سافر بالفعل إلى نيويورك استعدادًا لوصول العائلة، بينما كانت والدته، وطبيبان، وممرضة، وفني مسؤول عن جهاز القلب الاصطناعي، على وشك التوجه إلى المطار. ولم يكن يتبقى على موعد المغادرة سوى أقل من ساعتين.

ثم جاءت المكالمة التي غيّرت كل شيء لكن في تلك الأثناء، كانت المأساة تتكشف في المركز الطبي سوروكا التابع لمجموعة كلاليت.

كانت سبأ بدير، الطفلة البالغة من العمر ست سنوات ونصف من كفر قاسم، أصغر أربع شقيقات، قد رافقت والدها وإحدى شقيقاتها في رحلة عمل قصيرة وإجازة إلى مدينة إيلات.

ويقول والدها، مهران بدير: “كانت روح بيتنا. أكثر بناتنا حبًا للمرح. كانت ابنة أبيها. كلما سمعت صوت شاحنتي وأنا أعود إلى المنزل، كانت تركض لاستقبالي”.
وقبل يوم واحد من وفاتها، قضت سبأ وقتًا ممتعًا مع عائلتها على شاطئ البحر وفي الكورنيش.

ويستذكر والدها ذلك اليوم قائلاً: “كانت تضحك وتستمتع بوقتها، وكانت لدينا خطط لليوم التالي”.

لكن صباح يوم الجمعة تغيّر كل شيء.

“أيقظتها، لكنها لم تستجب. حاولت مرة تلو الأخرى، لكنها لم تستيقظ”.

نُقلت سبأ بدايةً إلى مستشفى يوسفتال في إيلات، ثم جرى نقلها بواسطة مروحية إلى المركز الطبي سوروكا، حيث اكتشف الأطباء أنها تعاني من حالة خلقية خاصة في أحد الأوردة الدماغية أدى إلى تمزقه وحدوث نزيف دماغي كارثي.

وبعد يومين، أُعلن عن وفاتها.

ثم جاء السؤال الأصعب.

“نعم، سألونا إن كنا نوافق على التبرع بأعضائها، فأجبنا فورًا: نعم، ومن دون أي تردد”.

ويقول والدها بصوت يملؤه الألم: “ابنتي رحلت… ماذا سأفعل بقلبها؟ ماذا سأفعل بكليتيها؟ الجسد سيُدفن، لكن الأعضاء تستطيع أن تمنح الحياة. على الأقل، دعوها تنقذ أطفالًا آخرين”.

وقبل أن يودعها للمرة الأخيرة، همس لها قائلاً: “لا تنسينا من السماء. سنلتقي مجددًا. وإذا كنت قد أخطأت بحقك يومًا، فسامحيني”.

وفي تلك اللحظة نفسها، أُلغيت رحلة رفائيل إلى الولايات المتحدة.

في المركز الطبي سوروكا، بدأت الطواقم الطبية عملية استئصال أعضاء سبأ وفق أعلى المعايير الطبية، بينما كان سباق مع الزمن قد بدأ في مركز شنايدر الطبي للأطفال.

قاد الدكتور غابريئيل أمير، مدير خدمة جراحة القلب لحديثي الولادة في مركز شنايدر، وفريقه الطبي، العملية الجراحية، حيث تم فصل رفائيل عن جهاز Berlin Heart الذي أبقاه على قيد الحياة طوال الأشهر الماضية.

ويقول الدكتور أمير: “كل دقيقة في هذه العملية محسوبة. هدفنا أن يكون الطفل جاهزًا تمامًا في اللحظة التي يصل فيها القلب المتبرع به، لأن تقليص الزمن الذي يبقى فيه القلب خارج الجسم يزيد من فرص نجاح عملية الزراعة”.

وخلال ساعات الليل، نُقل قلب سبأ من المركز الطبي سوروكا إلى مركز شنايدر الطبي للأطفال، حيث خضع رفائيل لعملية زراعة قلب معقدة استمرت ساعات طويلة.

ويقول الدكتور أميحاي روطشتاين: “بدأ القلب ينبض… وكانت تلك بداية حياة جديدة. كانت تلك اللحظة التي انتظرناها جميعًا”.

لكن بالنسبة للدكتور روطشتاين، حملت تلك اللحظة معنى آخر أيضًا.

ففي العام الماضي، فقد ابنه توم روطشتاين، الذي قُتل خلال المعارك في خان يونس بقطاع غزة.

ويقول: “هناك صباحات لا ترغب فيها حتى بمغادرة سريرك، لكن عندما تتلقى خبرًا بوجود قلب لطفل ينتظر زراعة قلب، فإنك تنهض فورًا. هذا العمل يمنحني القوة للاستمرار، ويمنحني سببًا لأستيقظ كل صباح وأواصل الحياة”. واليوم، وبعد أسابيع من عملية الزراعة، يستعيد رفائيل قوته تدريجيًا، ويبتسم من جديد، ويبدأ حياة جديدة.

ويقول أطباؤه مبتسمين: “لم يعد متأكدًا أين هو بيته الحقيقي. بعد تسعة أشهر قضاها في المستشفى، أصبح مستعدًا للعودة إلى المنزل قليلًا، ثم العودة إلينا، لأنه يشعر هنا بأنه في أكثر مكان آمن في العالم”.

وكانت أول أمنية طلبها بعد نجاح عملية الزراعة بسيطة للغاية: “أن يذهب إلى حديقة الحيوانات ويُطعم زرافة”.

وقد تحققت أمنيته بالفعل.

وعندما شاهد والد سبأ صور رفائيل بعد العملية، قال بتأثر: “قلب ابنتي ما زال حيًا… إنها هدية من الله. شكرًا لكم”.

ويختتم الدكتور روطشتاين قائلاً: “لم نعتبر يومًا الوصول إلى هذه اللحظة أمرًا مفروغًا منه. كانت هناك لحظات بدا فيها أن الأمل يتلاشى، لكن التبرع بالأعضاء يمنح الحياة، حرفيًا. ومن ينقذ نفسًا واحدة، فكأنما أنقذ العالم بأسره”.

إن قصة رفائيل وسبأ بدير هي قصة الطب الحديث، والتعاون الاستثنائي بين المركز الطبي سوروكا ومركز شنايدر الطبي للأطفال من مجموعة كلاليت، لكنها قبل كل شيء قصة عائلة من كفر قاسم اختارت، في أحلك لحظات حياتها، أن تمنح الأمل والحياة لعائلة أخرى.

واليوم، ينبض في صدر رفائيل، البالغ من العمر ثلاث سنوات ونصف، قلبٌ شجاع… هو قلب الطفلة سبأ بدير.

كريديت: مركز الطبي شنايدر – كلاليت

بالتعاون مع كلاليت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *