هدف في الدقيقة الـ 90، مواجهة ركلات جزاء مشوّقة أو انقلاب غير متوقّع في نتيجة المباراة، كل هذه اللحظات يمكن أن تجعل المشجعين يقفزون عن الكنبة، ويصرخون فرحاً أو يحبسون أنفاسهم. لكن ما يبدو كعاصفة مشاعر لحظية، يفعّل في الواقع سلسلة من ردود الفعل الفسيولوجية المهمة في الجسم، خصوصاً في جهاز القلب والأوعية الدموية. ومع اقتراب نهائي المونديال، من المهم أن نعرف أنه بالنسبة لبعض المشاهدين، وخاصة أولئك الذين يعانون من أمراض قلب أو عوامل خطر قلبية، فإن الانفعال لا يقتصر فقط على تجربة رياضية.
الدكتور ميخائيل وولت، رئيس مجال أمراض القلب في “مئوحيدت” منطقة المركز، يوضح أنه خلال مباراة مشوّقة يتفاعل الجسم بطريقة مشابهة لحالات الضغط النفسي الأخرى. ويقول: “في حالات التوتر أو الانفعال الشديد، يفرز الجسم هرمونات الضغط مثل الأدرينالين والنورأدرينالين. ونتيجة لذلك يرتفع النبض، وضغط الدم، ويُطلب من القلب أن يعمل بجهد أكبر. بالنسبة لمعظم الناس هذه استجابة طبيعية وعابرة، لكن لدى من يعاني من مرض قلبي أو تضيق في الشرايين، قد يؤدي هذا الجهد أحياناً إلى حدوث مشكلة في القلب”.
يوضح د. فولت، أن الكثيرين لا يدركون أن الجلوس أمام التلفاز قد يشكّل عبئاً كبيراً على الجسم عندما يكون مصحوباً بتوتر عاطفي شديد: “نحن نميل إلى الاعتقاد بأن الجهد البدني وحده هو ما يعرّض القلب للخطر، لكن التوتر النفسي أيضاً يؤثر كثيراً على جهاز القلب والأوعية الدموية. القلب لا يميّز بين كون الأمر ركضاً أو دراما رياضية، بل إنه يستجيب لقوة التجربة”.
عندما يلتقي عالم كرة القدم مع طب القلب
على مدار سنوات، تمّت في دول مختلفة حول العالم، دراسة العلاقة بين الأحداث الرياضية الكبرى وبين الارتفاع في الحالات المتعلقة بالقلب. فقد وجدت أبحاث أُجريت خلال بطولات كرة قدم دولية أنه في الأيام التي تلعب فيها المنتخبات الوطنية، وخاصة في المباريات الدرامية التي تُحسم في الدقائق الأخيرة أو بركلات الترجيح، يُسجَّل ارتفاع في عدد التوجّهات إلى غرف الطوارئ بسبب آلام في الصدر، اضطرابات في نبض القلب، أو نوبات قلبية.
ومع ذلك، يشدّد د. فولت على أن الأبحاث لا تشير إلى أن كرة القدم خطيرة بحد ذاتها، لكنها قد تشكّل محفّزاً لمخاطر معيّنة، لدى أشخاص ينتمون أصلاً إلى مجموعة خطر. ويقول: “المباراة لا تُنشئ مرض قلب جديد، لكنها بالتأكيد قد تكشف مشكلة موجودة أو تكون عاملاً محفّزاً لدى من يعاني مسبقاً من تصلّب الشرايين، ارتفاع ضغط الدم أو مرض قلبي غير متوازن”.
ولا يقتصر تأثير التوتر أثناء المباريات، على خطر الإصابة باحتشاء عضلة القلب. فبعض المشاهدين قد يعانون من تسارع في دقات القلب، اضطرابات في النبض، ارتفاعات حادة في ضغط الدم، ضيق في التنفس، وأحياناً حتى متلازمة القلب المنكسر (Takotsubo)، وهي حالة مؤقتة يتضرر فيها عضل القلب نتيجة ضغط نفسي شديد. بالإضافة إلى ذلك، غالباً ما ترافق مشاهدة المباريات عادات قد تثقل على القلب أكثر، مثل: وجبات ثقيلة، احتساء الكحول، التدخين، والجلوس لفترات طويلة لساعات.
من يجب أن يكون حذراً بشكل خاص؟
الأشخاص الذين يعانون من أمراض قلب، ارتفاع ضغط الدم، السكري، زيادة الوزن، كولسترول مرتفع أو تاريخ عائلي لأمراض القلب، يجب أن ينتبهوا جيداً لأجسامهم أثناء المباريات المشوّقة. وبحسب د. فولت: “إذا ظهرت خلال المباراة ضغط أو ألم في الصدر، ضيق تنفّس غير معتاد، تعرّق بارد، ضعف مفاجئ، دوخة أو ألم يمتدّ إلى الذراع أو الرقبة أو الفك، لا يجوز تجاهل هذه العلامات. لا ننتظر صافرة النهاية ولا الاستراحة. يجب التوجّه للحصول على رعاية طبية”.
يوصي د. فولت أخيراً، بمشاهدة المباريات في بيئة مريحة، وتجنّب التدخين واستهلاك الكحول، والإلتزام بتناول الأدوية الثابتة، وتذكّر أنه حتى في اللحظات الأكثر توتراً، في النهاية، فإننا نتحدث عن حدث رياضي. ويقول: “كرة القدم وُجدت لتُثير مشاعرنا، وهذا جزء من سحرها. لكن من المهم الاستمتاع بالتجربة دون أن ننسى الإصغاء للجسم. قلبنا يحبّ التفاعل، لكن إلى حدّ معيّن”.








