ماذا نريد؟ بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 03/07/2026

في ظل الواقع الذي يعيشه مجتمعنا العربي في الداخل، وفي ظل الأحداث الجارية من حولنا، يبرز سؤال مهم: ماذا نريد؟ وما هي الغاية المنشودة التي يتطلع إليها المؤمن من خلال إيمانه؟

الجواب هو أننا نريد مجتمعًا سليمًا، يعيش أبناؤه في أمن وأمان، ويسعى كل فرد فيه إلى الحرية التي ترفع من مكانته. وعندما نقصد الحرية، فإننا لا نعني التحرر من القيم والأخلاق الحميدة، بل الحرية التي تُحرر الإنسان من قيود المادة والشهوات والملذات، ليكون حرًا في معتقده واتباعه للرسل الكرام. وهذه هي الحرية التي من أجلها طورد الأنبياء، ومن أجلها هاجر الرسول محمد ﷺ من وطنه.

ونريد أيضًا أن يكون مجتمعنا قويًا، ولا يتحقق ذلك إلا بالتكاتف والتعاون، وهو مراد رباني في قوله تعالى:
﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾.

وعند قراءة القرآن الكريم ومطالعة السنة النبوية بعين حريصة على معرفة الحقيقة، نجد أن الإسلام غيّر كثيرًا من المفاهيم السائدة آنذاك، وكان من أبرزها الدعوة إلى التراحم والمحبة. فقد كانت القبائل العربية قبل الإسلام متناحرة ومتنافسة، حتى جاء رسول الله ﷺ فجمع بين الأوس والخزرج في المدينة المنورة، وحوّلهما من قبيلتين متعاديتين إلى أنصار للرسول، فحُقنت بذلك دماء كثيرة.

وهذا مطلب ملح في زماننا، إذ يجب أن ندرك أن هذه الدماء التي تُراق عزيزة، ومن الضروري أن تُحقن. وقد بيّن الله تعالى أنه بعث رسوله ليخرج الناس من ظلمات الجهل والأفكار المنحرفة إلى نور الإيمان، فقال:
﴿الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾.

لقد أنزل الله القرآن ليرفع من مكانة الإنسان الذي كرمه وهداه إلى سبيله، فهذا ما يريده الخالق من المخلوق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وجاء هذا المعنى أيضًا في قول رسول الله ﷺ:
«إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب».
وكان مقتهم بسبب الشرك الذي أدخلوه في معتقداتهم، ومخالفتهم للفطرة السليمة، حيث استقوى القوي على الضعيف، وأكلوا أموال اليتامى ظلمًا، وتناصروا على أساس العصبية القبلية الجاهلية.

ولهذا قال رسول الله ﷺ:
«انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا».
فلما سئل: كيف ننصره ظالمًا؟ قال:
«تمنعه من ظلمه، فذلك نصره».

وهذه مسؤولية كل أب وأم، وكل مربٍ وقائد وشيخ، أن يرحموا أبناءهم، ويأخذوا بأيديهم إلى الصراط المستقيم الذي فيه الهداية والرشاد.

لقد غيّر رسول الله ﷺ طريقة التفكير في المجتمع القبلي، فحرر الناس من عبادة الحجر والشجر، وغرس فيهم الفضيلة، ورفع من مكانة المرأة التي كانت تُدفن وهي رضيعة. فأصبح يبشر من كانت له ثلاث بنات فأحسن تربيتهن وتأديبهن وصحبتهن بالجنة، ثم قال: واثنتان، ثم قال: وواحدة.

وهكذا انتقل المجتمع من حال وصفه القرآن بقوله:
﴿وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون﴾،
إلى مجتمع يقول له قائده:
«استوصوا بالنساء خيرًا»،
ويقول:
«ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم».

وإذا أردنا أن نلخص ما جاء به رسول الله ﷺ، فلا بد أن نتوقف عند كلمات الصحابي ربعي بن عامر عندما سأله قائد الفرس:
“ما الذي جاء بكم؟ هل تريدون طعامًا أم كساءً؟”

فأجاب ربعي بن عامر بكلمات خالدة:
«ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام».

إنها كلمات تُكتب بماء الذهب، لا لتبقى جزءًا من التاريخ فحسب، بل لتكون منهجًا يضيء طريق الحياة، خاصة في زمن كثرت فيه حالات الظلم والاضطهاد والقتل، حتى أصبح، كما أخبر النبي ﷺ، لا يدري القاتل فيمَ قتل، ولا المقتول فيمَ قُتل، من كثرة الهرج.

إننا نريد أن يُسمع اليوم صوت يشبه صوت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي تربى في مدرسة رسول الله ﷺ. فقد جاءه رجل من أقباط مصر يشكو ابن واليها عمرو بن العاص، بعدما ضربه لأنه سبقه في سباق وهو يقول: «أتسبق ابن الأكرمين؟»

فاستدعى عمر عمرو بن العاص وابنه، وأعطى القبطي سوطًا ليقتص لنفسه، فلما استوفى حقه قال له عمر:
«لو ضربت عمرو بن العاص ما منعتك، فإنما ضربك ابنه بسلطان أبيه».
ثم التفت إلى عمرو بن العاص قائلاً كلمته الخالدة:
«متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟»

ونريد أيضًا ألا يستعلي أحد على أحد إلا بالتقوى، كما قال تعالى:
﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.

وقال رسول الله ﷺ:
«أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *