فلسفة “المستراح”: عن الجسد المنسي في الفضاء العام وانفصامنا الحضاري
بقلم: سامية عرموش- اعلامية وباحثة في ثقافة السينما – حيفا
ثمة مواضيع نمرّ بها كل يوم من دون أن نتوقف عندها، رغم أنها تكشف عن جوانب عميقة من علاقتنا بأنفسنا وبالمجتمع من حولنا. ومن بين هذه المواضيع ما يتعلق بالمراحيض العامة، أو ما كان أجدادنا يسمونه ببساطة ودفء “بيت الراحة” أو “المستراح”.

حين قرأت دعوة جريدة “الأيام نيوز” للكتابة حول موضوع المراحيض وأسباب خجل المثقفين من الخوض فيه، ابتسمت في سري وتساءلت: ماذا يمكن أن يُكتب عن المراحيض؟ لكن الفكرة سرعان ما تحولت إلى فضول حقيقي. لماذا لا تكون هذه فرصة للحديث عن تجربة يومية يعيشها الجميع؟ ولماذا لا أتأمل هذا الفضاء من زاويتين لطالما شغلتا اهتمامي: تجربتي الشخصية كمواطنة تتنقل بين المدن، واهتمامي البحثي بثقافة السينما وكيفية تمثيلها للأماكن المهمشة والمنسية؟
كلما فكرت أكثر، ازددت اقتناعاً بأن المرحاض ليس مجرد مرفق خدمي عابر، بل مساحة اجتماعية وثقافية تكشف الكثير عن المجتمع الذي ينتجها. فهو المكان الذي تتساوى فيه الأجساد واحتياجاتها البيولوجية، والمؤشر الأنثروبولوجي الصامت على مدى احترام المدن للإنسان وكرامته وحقه في استخدام الفضاء العام.
لقد وظّفت السينما هذا الفضاء بذكاء لافت، سواء في السينما العربية أو العالمية، كمرآة للعلاقات الاجتماعية والسلطة والجسد. ففي فيلم “أسرار البنات” (2001)، تظهر شخصية ياسمين (مايا شيحا) في لحظة ضغط نفسي وجسدي داخل فضاء مغلق في بيت أقاربها، حيث يتحول الحمّام إلى مساحة قصوى من الخصوصية والانكشاف في آن واحد، مع تصاعد حالة المخاض التي تضع الجسد أمام حدّه الأقصى من الألم والتحول. وخارج الباب، تقف خالتها نادية (سوسن بدر) في حالة قلق وارتباك، تطرق الباب محاولة فهم ما يجري دون قدرة على اختراق هذا الحاجز الرمزي بين الجسد والعالم الخارجي. هنا لا يعود الحمّام مجرد مرفق منزلي، بل يتحول إلى عتبة وجودية تتقاطع فيها الحياة والخصوصية والرقابة في لحظة تختصر هشاشة الإنسان داخل الفضاء الاجتماعي.
ثم يأتي فيلم فيلم التحريك (Animation)”برسيبوليس” (Persepolis) الصادر عام 2007 للمخرجة والكاتبة الإيرانية الراحلة مرجان ساترابي، ليقدّم هذا الفضاء بوصفه امتداداً للرقابة السياسية والاجتماعية، حيث يتحول المرحاض إلى مساحة طارئة لإخفاء زجاجات الكحول قبيل اقتحام عناصر الشرطة الدينية للمنزل، فيغدو المكان الضيق ملاذاً هشاً للحرية الفردية في مواجهة السلطة.
أما في السينما الكورية، فقد قدّم فيلم “طفيلي” (Parasite) عام 2019 هذا الفضاء بوصفه رمزاً بصرياً حاداً للفوارق الطبقية. ففي منزل عائلة “كيم” الفقيرة، يقع المرحاض في أعلى نقطة داخل الشقة شبه الأرضية، ويُصعد إليه عبر درجات قليلة، في مفارقة بصرية مؤلمة توحي بأن أقصى ما يمكن الارتقاء إليه داخل هذا الفضاء الهامشي هو الوصول إلى مكان قضاء الحاجة. وفي المقابل، تظهر حمّامات منزل عائلة “بارك” الثرية واسعة ومريحة ومنسجمة مع رفاهية المكان. وهكذا يتحول المرحاض في الفيلم من تفصيل معماري عابر إلى أداة بصرية تكشف البنية الطبقية للمجتمع والفجوة الهائلة بين عالمين يعيشان في المدينة نفسها.
وهكذا يتقاطع هذا الحضور السينمائي عبر ثقافات مختلفة ليؤكد أن أنثروبولوجيا المكان تبدأ من تفاصيل الجسد المنسي، وأن ما يبدو فضاءً هامشياً هو في الحقيقة مرآة دقيقة لبنية المجتمع وسلطته وقيمه.
في حيفا، لا تزال بلدية المدينة تشغّل عدداً من المراحيض العامة في أحياء مختلفة، ولا سيما في المناطق المركزية التي تضم مراكز تجارية وأسواقاً ومتنزهات عامة. غير أن التحدي لا يكمن دائماً في وجود هذه المرافق من عدمه، بل في مستوى صيانتها واستمرارية العناية بها. فخلال ساعات طويلة من اليوم، لا تكون بعض هذه المراحيض على مستوى النظافة والخدمة الذي يليق بالمستخدمين، الأمر الذي يحدّ من قدرتها على أداء وظيفتها كمساحات عامة تحفظ كرامة الإنسان وراحته.
بالمقابل، تتنفس الطمأنينة وأنت تسير في أزقة عكا القديمة؛ هناك لا يسعك إلا أن تشعر بالامتنان لمن فكر بالإنسان أولاً، ووفر مراحيض عمومية تليق بأهالي المدينة وزوارها، وحرص على نظافتها وصيانتها بصورة مستمرة مقابل رسوم رمزية. وهكذا يتحول المرحاض من مرفق خدمي هامشي إلى جزء من التجربة السياحية والإنسانية للمكان، وعنصر يعكس وعياً بلدياً يتصالح مع احتياجات الجسد البشري ويحترمها.
أما الغصة الأكبر، فتتجلى عند زيارة الضفة الغربية، وتحديداً مدينتين عريقتين بأسواقهما وتاريخهما مثل جنين ونابلس. هناك، وبدلاً من أن يستمتع الزائر بسحر المكان وعبق التاريخ، يصبح الهاجس الأكبر الذي يشغل البال هو: “أين سأجد مرحاضاً؟”. وإن وُجدت هذه المرافق، فإنها غالباً ما تكون متدنية النظافة ومهملة إلى حد يبعث على النفور، الأمر الذي يحوّل حاجة إنسانية بديهية إلى مصدر إزعاج وإرباك يومي.
وتتضاعف أهمية هذه المرافق حين ننظر إليها من زاوية النوع الاجتماعي والفئات الأكثر هشاشة في الفضاء العام؛ فالنساء، وكبار السن، والأشخاص ذوو الإعاقة، ومرضى الأمراض المزمنة، والأهالي المرافقون لأطفالهم، يدفعون ثمناً أكبر لغياب المراحيض العامة النظيفة والمهيأة. فهذه المرافق ليست مجرد خدمة بلدية ثانوية، بل شرط أساسي يتيح للإنسان حرية الحركة والمشاركة الكاملة في الحياة العامة بكرامة وأمان.
ويزداد هذا الواقع مرارة وأسفاً حين نستدعي تاريخنا الحضاري لنجد أننا نعيش انقطاعاً حاداً؛ ففي العصر الذهبي العباسي في بغداد، وفي حواضر الأندلس كقرطبة، كانت هندسة المستراحات وشبكات الصرف الصحي والاهتمام بنظافتها وتعقيمها وتبخيرها بالمسك والريحان جزءاً لا يتجزأ من التخطيط العمراني والوعي الطبي والبلدي عبر نظام الحسبة. كان أجدادنا يتصالحون مع الجسد البشري واحتياجاته، ويرون في توفير بيوت الراحة النظيفة لعابري السبيل والفقراء دليلاً على رقي العمران وكرامة الإنسان.
وهنا نقف أمام مفارقة صارخة تمس هويتنا وثقافتنا في العمق؛ كيف يستقيم هذا القحط في المرافق العامة النظيفة مع موروثنا الديني والاجتماعي الذي جعل من النظافة ركناً ثابتاً من أركان الإيمان؟ إننا نعيش انفصاماً حقيقياً بين الفكر والممارسة. فبينما تضج أدبياتنا وخطابنا اليومي بقيم الطهارة والوضوء وإماطة الأذى عن الطريق، تكشف لنا شوارعنا وفضاءاتنا العربية العامة عن إهمال يهين الجسد ويستخف بالفضاء المشترك.
وفي الأدبيات الحضرية المعاصرة، يُنظر إلى إتاحة المرافق الصحية العامة باعتبارها جزءاً من “الحق في المدينة”، أي حق الإنسان في استخدام الفضاء العام والتمتع بخدماته الأساسية دون تمييز أو إقصاء. ومن هذا المنظور، فإن المرحاض العمومي ليس تفصيلاً هامشياً في التخطيط العمراني، بل مرفقاً يعكس مدى احترام المدينة لسكانها وزوارها على حد سواء.
ومن المهم التوضيح أن الحديث هنا لا يدور حول المراحيض المتاحة في المطاعم أو المقاهي أو المراكز التجارية أو الفنادق، فهذه مرافق مرتبطة بمؤسسات خاصة أو باستهلاك خدمة معينة. إن المقصود هو المراحيض العمومية بوصفها جزءاً من البنية التحتية للفضاء العام، والمتاحة لكل إنسان بغض النظر عن قدرته على الشراء أو مكان وجوده. فوجود مرحاض في مطعم أو فندق لا يعفي المدينة من مسؤوليتها في توفير مرافق عامة تضمن كرامة السكان والزوار وعابري السبيل.
وقد يبرر البعض هذا الإهمال بضعف الإمكانيات، لكن المقارنة مع الدول الأوروبية تفكك هذا العذر تلقائياً. ففي أوروبا، نجد المراحيض في الفضاءات العامة متاحة مقابل دفع رسوم رمزية، وهو الأمر نفسه المتبع في عكا القديمة وبعض المدن الفلسطينية، ولكن الفارق الجوهري يكمن في العقد الخدمي والأخلاقي. ففي مقابل هذا الدفع، يحصل المستخدم على مرفق نظيف ومجهز وتخضع صيانته للمساءلة والمتابعة، لأن هناك منظومة تعتبر كرامة الإنسان جزءاً من الخدمة العامة.
ولعل المفارقة الأشد مرارة أننا كثيراً ما نقارن أنفسنا اليوم بالمدن الأوروبية حين نستخدم مرافقها العامة النظيفة والمنظمة ونتساءل بحسرة: لماذا لا نكون مثلهم؟ غير أن هذا السؤال يغفل جانباً من ذاكرتنا الحضارية؛ فمدن مثل بغداد وقرطبة عرفت في مراحل ازدهارها أنظمة متقدمة لإدارة المياه والصرف الصحي والعناية بالنظافة العامة، وأسهمت في تطوير تقاليد عمرانية وصحية سبقت كثيراً من المدن الأوروبية في العصور الوسطى. لذلك لا يتعلق الأمر باستيراد قيمة غريبة عنا، بل باستعادة جانب من إرث حضاري وإنساني عرفه أسلافنا ثم تراجع حضوره في واقعنا المعاصر.
وربما لهذا السبب لا تكشف المراحيض العمومية شيئاً عن نظافة المدن فحسب، بل عن علاقتها بالإنسان نفسه.






