(جذوري في الكيمياء قبل ميلادي، وقبل تكامل جيناتي في نطفة الأمشاج، قبل تحولي جنينًا في الظلمات… جذوري… منذ زمن جابر بن حيان… سجّل أنا كيميائي—أشرف إبريق، نوتات الكيميائيّ).
كان سنتياغو بطلٓ رواية “الخيميائي” لباولو كويلو، في بداية رحلته مدفوعًا بالبحث عن الكنز المادي، وبالرغبة في التحول من راعٍ بسيط إلى أسطورة. لكن ما واجهه خلال رحلته غيّر مسار هذا الهدف؛ فتحوّل سعيه تدريجيًا إلى فهم الذات، واكتساب الثقة بالنفس، والعمل على تطويرها ليصبح الشخص الذي يريده، منسجمًا مع الحياة رغم صعوباتها.
وهكذا كان الخيميائيون؛ فقبل الوصول إلى الكيمياء بمعناها العلمي، سعوا إلى تحويل المعادن البسيطة إلى ذهب، وإلى اكتشاف ما عُرف بـ”إكسير الحياة”، الذي اعتُقد أنه يمنح الشباب والقوة والخلود. وكانت الخيمياء آنذاك مزيجًا من الفلسفة والسحر والمعرفة، ميّز عصورًا مختلفة، من الحضارة اليونانية إلى مصر القديمة وغيرها.
مع تقدّم الحضارة العربية الإسلامية، وخصوصًا من القرن الثامن حتى القرن الثالث عشر الميلادي، برز علماءُ أسهموا في مختلف العلوم، كالفلك والرياضيات والطب، وكذلك في بناء جسورٍ بين الخيمياء والكيمياء الحديثة التي نعرفها اليوم، مدفوعين باهتماماتٍ متعددة، منها تطوير العطور، والطب، والصيدلة، وحتى توحيد العملة في ظلّ الإمبراطورية الإسلامية. فبرز في تلك الفترة عدد كبير من العلماء، من بينهم جابر بن حيّان، الذي يُعدّ من مؤسسي الكيمياء التجريبية؛ إذ حوّلها إلى منهج قائم على الملاحظة والتجربة وتكرارها للتحقق من النتائج . وقيل في مكانته: “كما كان لأرسطو في الفلسفة، كان لابن حيان في الكيمياء”. كما برز أبو بكر الرازي، الذي طوّر تقنيات مخبرية ما زالت تُستخدم حتى يومنا هذا، مثل التقطير والتبلور والتسامي، وابتكروا أدوات مخبرية، كالأنبيق المستخدم في عمليات التقطير، ولا تزال الكيمياء الحديثة تعتمد عليها. وقد اكتشف هؤلاء أيضًا مواد تُعد من أسس علم الكيمياء، مثل القلويات (Alkalis)، التي استعملت مثلا في صناعة الصابون. وهي من الأمثلة الجميلة على انتقال المصطلحات العلمية من الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبا. وحتى مصطلح «الكيمياء» يُعزى في جانبٍ منه إلى اللغة العربية؛ إذ قال الخوارزمي في كتابه «مفاتيح العلوم»: «اسم هذه الصناعة الكيمياء، وهو عربي، واشتقاقه من كمى يكمي إذا ستر وأخفى»، وذلك لارتباط هذا العلم قديمًا بكثرة الأسرار والغموض. وقد انتقل المصطلح إلى اللغات الأوروبية عبر اللاتينية بصيغة alchimia، ثم إلى الفرنسية (alchimie)، فالإنجليزية (alchemy)، قبل أن يتطور لاحقًا إلى مصطلح chemistry بعد حذف أداة التعريف العربية.
ولعلّ من أبرز ما قام به هؤلاء العلماء توثيق تجاربهم ومعارفهم المخبرية في مخطوطات وكتب عديدة، تُرجمت لاحقًا إلى لغات متعددة، فانتفع بها العالم بأسره. وقد أسهم هذا الإرث المعرفي إسهامًا كبيرًا في تطوّر هذا العلم، الذي أخذ يكتسب ملامح جديدة في أوروبا بعد العصور الوسطى. فمنذ القرن الثامن عشر، تطوّرت الكيمياء إلى علم دقيق؛ إذ ترسّخ مفهوم العنصر مع لافوازييه، وتتابع اكتشاف العناصر وترتيبها في الجدول الدوري على يد مندليف، ثم فُهِمت بنية الذرّة من خلال اكتشاف مكوّناتها وكيفية تفاعلها فيما بينها لإنتاج المركّبات المختلفة. وفي العصر الحديث، توسّعت لتشمل مجالات متقدمة، كالكيمياء العضوية وعلوم المواد، وأصبحت أساسًا للتطور في الطب والصناعة على مختلف انواعها.
وكما في رواية “الخيميائي”، لم تكن رحلة سنتياغو سهلة، بل كانت مليئة بالتحديات ولحظات الإحباط التي كادت تثنيه عن حلمه؛ فقد خسر ماله في بداية الطريق، وعاش فترة من التردد أثناء عمله في متجر الكريستال، وواجه الخوف والشك خلال عبوره الصحراء. وكذلك كانت مسيرة الحضارة العربية الإسلامية بعد العصور الوسطى. إلا أنه خلال العقود الأربعة الماضية بدأت تبرز أسماء لامعة تنتمي إلى هذه الحضارة في مجال الكيمياء، تركت بصمات واضحة، وحصل خمسة منهم على جائزة نوبل في الكيمياء تقديرًا لإسهاماتهم المهمة.
فقد كان أولهم إلياس جيمس خوري، ذو الأصول اللبنانية، الذي نال جائزة نوبل عام 1990 في الكيمياء لإسهاماته في تطوير منهجيات بناء المركبات العضوية الطبيعية. تلاه أحمد زويل من مصر، الذي حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999 تقديرًا لاكتشافه تقنية “الفيمتوثانية”، التي مكّنت من رصد حركة الذرات أثناء التفاعلات الكيميائية في زمن بالغ السرعة. وفي عام 2015، نال العالم التركي عزيز سنجار الجائزة لإسهاماته في فهم آليات إصلاح الحمض النووي. أما الجائزة الرابعة فكانت من نصيب الكيميائي التونسي منجي الباوندي عام 2023، لتطويره طرقًا كيميائية للتحكم في النقاط الكمومية (quantum dots ) وهي جسيمات نانوية تُستخدم في تقنيات حديثة مثل الشاشات. وأخيرًا، جاءت الجائزة الخامسة العام الماضي للكيميائي عمر مؤنس ياغي، ذو الجذور الفلسطينية، تقديرًا لإسهاماته في تصميم مواد متقدمة ذات بنى فريدة، مثل الهياكل الفلزية العضوية (Metal–Organic Frameworks).
واللافتُ أنَّ نصيبَ العلماءِ العربِ والمسلمينَ من جائزةِ نوبل في الكيمياءِ يُعَدُّ الأكبرَ مقارنةً بما حصلوا عليه في باقي فروع الجائزة. وهناك أيضًا العديدُ من العلماء المرتبطين بهذا المجال ارتباطًا مباشرًا؛ إذ يشغلُ بعضُهم مناصبَ أساتذةٍ في جامعاتٍ عديدةٍ في شتّى أنحاءِ العالم، فيما يتبوأُ آخرون مناصبَ مختلفة في شركاتِ الصناعاتِ الكيميائيةِ والدوائيةِ العالمية.
أمّا على الصعيد المحلي، فمع الازدياد الواضح لأبناء وبنات المجتمع في الانخراط في التخصصات المختلفة ومتابعة الدراسة لنيل الألقاب العليا، هناك تقدّمٌ ملحوظٌ للعلماء العرب في مجال الكيمياء، سواء في المراكز الأكاديمية أو في القطاع الصناعي، في شركاتٍ كبيرةٍ مثل “طيفا”، أو في الشركات الناشئة. واللافت أنّه في السنوات الأخيرة، يوجد في كلّ كليةٍ من كليات الكيمياء في الجامعات المختلفة أساتذةٌ من مجتمعنا، وقد حقّقوا حضورًا بارزًا في أبحاثهم المتنوعة، من خلال نشرها مقالاتٍ في المجلات العالمية المؤثّرة، ومشاركتهم المستمرة والفعّالة في المؤتمرات المحلية والعالمية. وأذكر أسماءهم هنا وفق الترتيب الأبجدي:
بروفيسور أشرف إبريق (التخنيون)
بروفيسور عضو أحمد مصاروة (الجامعة العبرية)
بروفيسور عضو رائد أبو رزق (الجامعة العبرية)
بروفيسور مساعد زكريا نيروخ (الجامعة العبرية)
بروفيسور مساعد سامر غنايم (معهد وايزمان)
بروفيسور عضو سليمان خطيب (جامعة تل حاي)
بروفيسور طالب مقاري (جامعة بئر السبع)
بروفيسور مساعد عبد سعدي (جامعة بار إيلان)
بروفيسور عضو محمد جبارة (جامعة تل أبيب)
بروفيسور نورمان مطانس (الجامعة العبرية)
ووفق ما أراه من انخراط متزايد لطلابنا من المجتمع العربي في المختبرات المحلية والعالمية، أتوقع أن يتضاعف هذا العدد خلال العقد القادم، وأن تضم هذه القائمة أيضًا أسماء عالمات متميزات يعملن في هذه اللحظة بكل جد واجتهاد لترك بصمتهن، والمساهمة في بناء عالم أفضل.
كما في رواية “الخيميائي”، لم يعد سنتياغو خلال رحلته يسعى إلى تحويل حلمه لمجرد ربح مادي، كذلك لم تعد الخيمياء محاولة لتحويل المعادن إلى ذهب، بل أصبحت قدرة الإنسان على تحويل المعرفة إلى أثر، والحلم إلى إنجاز حقيقي وملموس. وإذا كان جابر بن حيان قد وضع البذور الأولى، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نواصل هذا الامتداد، لا بوصفنا ورثة لماضٍ مجيد فحسب، بل صانعي مستقبل يستحق أن يُروى. فالمختبرات التي يدخلها طلابنا اليوم ليست مجرد أماكن للتجربة، بل هي مساحات لإعادة تعريف دورنا في هذا العالم. وربما، حين ينظر إلينا جيلٌ قادم، سيقول كما قلنا نحن: جذورنا عميقة… لكنها لم تمنعنا يومًا من أن نواصل النمو.
(جذوري في الكيمياء قبل ميلادي، وقبل تكامل جيناتي في نطفة الأمشاج، قبل تحولي جنينًا في الظلمات… جذوري… منذ زمن جابر بن حيان… سجّل أنا كيميائي—أشرف إبريق، نوتات الكيميائيّ).
مراسل حيفا نت | 01/06/2026






