بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء
العشر الأوائل من ذي الحجة 1447 هـ
أيامٌ قليلة تفصلنا عن استقبال هلال شهر ذي الحجة، ذلك الشهر المبارك الذي تُفتتح أيامه بالعشر الأوائل، وهي من أعظم مواسم الطاعة والقربات إلى الله تعالى. ومن فضل الله ومنّته على عباده أن جعل لهم مواسم إيمانية تتضاعف فيها الحسنات، وتُفتح فيها أبواب الرحمة والمغفرة، لتكون فرصة عظيمة للتقرب إليه بالأعمال الصالحة.
وتُعدّ العشر الأوائل من ذي الحجة من أعظم أيام الدنيا، فهي من الأشهر الحرم التي عظّمها الله سبحانه، وقد أقسم بها في كتابه الكريم فقال:
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾،
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: “المراد بها عشر ذي الحجة”.
كما ورد في فضلها عن رسول الله ﷺ قوله:
«ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر».
قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟
قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بماله ونفسه فلم يرجع من ذلك بشيء».
وذلك لأن هذه الأيام المباركة تجتمع فيها أنواع العبادات كلها؛ من صلاة وصيام وزكاة وحج، إضافة إلى الذكر والدعاء وسائر أعمال البر والطاعات، سواء كانت أعمالًا قلبية أو قولية أو عملية.
وقد علّق الإمام ابن رجب رحمه الله على هذا الحديث بقوله:
“دلّ حديث ابن عباس على مضاعفة جميع الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء، وأن كل عمل صالح يقع فيها فهو أفضل من مثله في سائر أيام السنة”.
ولهذا كان الصحابة والسلف الصالح يجتهدون فيها اجتهادًا عظيمًا، ويتنافسون في أبواب الخير والطاعة. وقد رُوي عن سعيد بن جبير رحمه الله أنه كان إذا دخلت هذه العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى لا يكاد يُقدر عليه.
ومن أراد الفوز ببركة هذه الأيام، فعليه أولًا بالمحافظة على الفرائض، فهي أحب الأعمال إلى الله تعالى، كما جاء في الحديث القدسي:
«وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه».
ومن أعظم الفرائض: الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج لمن استطاع إليه سبيلًا، إضافة إلى برّ الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل ما أمر الله به في كتابه الكريم.
ثم يأتي بعد ذلك الاجتهاد في النوافل، فقد قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه:
«وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه».
ومن النوافل المستحبة في هذه الأيام: صلاة الضحى، وقيام الليل، والصيام. وقد قال ﷺ:
«من صام يومًا في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفًا».
وقد ورد أن النبي ﷺ كان يصوم التسع الأوائل من ذي الحجة، ولذلك فإن من وفّقه الله لصيامها فقد نال خيرًا عظيمًا، ومن لم يستطع فليصم ما تيسر له، مع الحرص الشديد على صيام يوم عرفة، لما له من فضل عظيم، إذ قال رسول الله ﷺ:
«صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده».
وصيام يوم عرفة سنة مؤكدة لغير الحاج، وقد قال ﷺ:
«ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبادًا من النار من يوم عرفة».
كما أن الإكثار من ذكر الله والدعاء من أعظم ما يُستحب في هذه الأيام المباركة، قال تعالى:
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾،
وقال سبحانه:
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾.
وقد فسّر ابن عباس رضي الله عنهما “الأيام المعلومات” بأنها أيام العشر، أما “الأيام المعدودات” فهي أيام التشريق.
وقال رسول الله ﷺ:
«ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتحميد والتكبير».
ولا يقتصر الخير في هذه الأيام على العبادات الفردية فحسب، بل يشمل كذلك مؤازرة المحتاجين ومساعدة الضعفاء والمساكين، فقد قال ﷺ:
«والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».
ومن أفضل القربات في هذه الأيام: قضاء حوائج الناس، وإطعام الجائعين، وكسوة المحتاجين، وسقيا العطشى، وجبر خواطر الثكالى، والمسح على رؤوس الأيتام، والوقوف إلى جانب أصحاب المصائب والمظلومين، فلعل دعوة صادقة تُرفع إلى الله تكون سببًا في تفريج الكروب ورفع البلاء.
إنها أيام عظيمة، وموسم رباني كريم، فالسعيد من اغتنمها بالطاعة والعمل الصالح، وملأها بالذكر والدعاء والإحسان، راجيًا رحمة الله ومغفرته ورضوانه.











