العفو عند المقدرة بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 08/05/2026

العفو عند المقدرة

بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

تناولتُ في الأسبوع الماضي أثر اسم الله “اللطيف” في حياة الناس، واليوم أتوقف عند ضرورة أن نحيا مع معاني اسم الله “العفو”، لما لهذا الخلق العظيم من أثر في إصلاح النفوس والمجتمعات.

وما يدفعني للحديث في هذا الباب هو كثرة الشكاوى والتذمر من أخلاق الآخرين، وتمسك البعض بمواقفهم دون أي استعداد للتنازل، ولو عن القليل، بحجة أنهم على الحق وغيرهم على الباطل. والمؤسف أن هذا السلوك لم يعد مقتصرًا على فئة معينة، بل امتد إلى العلاقات بين الأبناء وآبائهم، وبين الأزواج، والجيران، والعمال وأرباب العمل، حتى أصبحت جهود الإصلاح محدودة الأثر، وأحيانًا لا تؤتي ثمارها.

وكثيرًا ما نذكّر بفضل العفو والمسامحة وعظيم أجرهما، لذلك أسمح لنفسي بالعودة إلى هذا الباب، لعل هذه الكلمات تجد أرضًا خصبة تثمر خيرًا يبقى أثره إلى يوم القيامة، خاصة أن العفو من مقاصد الشريعة، وهو خلق يحبه الله ورسوله، ويحبه أهل الخير في كل زمان ومكان.

إن المتأمل في كتاب الله يجد أن الله جلّ وعلا، الذي سمّى نفسه “العفو”، قد عفا عن بني إسرائيل مرارًا ليمنحهم فرصًا للتوبة، فقال تعالى:
“ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون”،
وقال سبحانه:
“ثم اتخذتم العجل من بعد ما جاءتكم البينات فعفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون”.

بل إن الله تعالى خاطب الذين تخلّفوا عن الهجرة إلى المدينة المنورة، وكانت الهجرة آنذاك من أعظم القربات بعد الإيمان، فقال:
“فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا”.

وهو سبحانه الذي قال:
“وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون”.

فإذا كان ربنا يعفو ويغفر، مع عِظم الذنوب في حقه سبحانه، فلماذا لا نجعل لاسم الله “العفو” أثرًا في حياتنا وعلاقاتنا؟

لقد كان رسول الله ﷺ القدوة العملية في العفو والصفح. فقد روى الصحابي جابر رضي الله عنه أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ وهو نائم، فأخذ سيفه ووقف فوق رأسه وقال: “من يمنعك مني؟”، فقال النبي ﷺ بكل ثبات: “الله”. فسقط السيف من يد الرجل، فأخذه النبي ﷺ وقال له: “من يمنعك مني؟”، فقال الرجل: “كن خير آخذ”، فعفا عنه رسول الله ﷺ وأطلق سراحه، فعاد الرجل إلى قومه يقول: “جئتكم من عند خير الناس”.

هكذا حوّل العفو عدوًا إلى صديق.

ولم يكن ذلك الموقف الوحيد، فقد عفا النبي ﷺ عن قريش التي آذته وأخرجته من مكة، وحاولت قتله، فلما دخل مكة فاتحًا قال لهم:
“ماذا تظنون أني فاعل بكم؟”
قالوا: “خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم”،
فقال ﷺ:
“اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

ومن أروع صور العفو أيضًا ما حدث مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حين خاض قريبه “مسطح” في حادثة الإفك التي طالت السيدة عائشة رضي الله عنها، فغضب أبو بكر وقرر أن يقطع عنه النفقة التي كان يعطيه إياها، فأنزل الله تعالى قوله:
“ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم”.

فما كان من أبي بكر إلا أن عفا عنه، واستمر في الإنفاق عليه. فأي عظمة هذه؟ وأي كرامة لمجتمع يكون فيه العفو سيد الموقف؟

وقد تربى أصحاب رسول الله ﷺ على هذا الخلق العظيم. فقد دخل عيينة بن حصن على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال له بغلظة: “يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل”، فغضب عمر وهمّ أن يعاقبه، لكن الحر بن قيس ذكّره بقول الله تعالى:
“خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين”،
فما كان من عمر إلا أن عفا عنه، لأنه كان وقّافًا عند كتاب الله.

واليوم، عندما تذكّر الناس بكلام الله وحديث رسول الله ﷺ عند وقوع الخصومات، لا تجد لهذا الكلام أثرًا إلا عند القليل، مع أن فيه حياة للناس ورحمة بينهم، وفيه مغفرة الله ورضوانه.

قال تعالى:
“وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين”.

فبالعفو تسود المحبة والألفة، كما قال سبحانه:
“ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم”.

وقد يظن البعض أن الدعوة إلى العفو تعني الذل والهوان، وهذا فهم خاطئ، فالإسلام لا يدعو إلى الضعف، لكنه يدعو إلى السمو فوق الجهل والإساءة، وإلى الانتصار على النفس ووساوس الشيطان.

قال رسول الله ﷺ:
“من كظم غيظه، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة”،
وقال أيضًا:
“من كف غضبه كف الله عنه عذابه”.

إن عدم العفو والمسامحة دليل على الاستجابة لوساوس الشيطان، الذي يسعى دائمًا إلى الإفساد بين الناس، كما قال رسول الله ﷺ:
“إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون، ولكن رضي بالتحريش بينهم”.

فما أحوجنا اليوم إلى إحياء ثقافة العفو، وإعادة هذا الخلق العظيم إلى بيوتنا ومجتمعاتنا، حتى تسود الرحمة والمحبة، ويعيش الناس بقلوب أكثر صفاءً وقربًا من الله تعالى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *