الله عليم بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 17/04/2026

بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء
الله عليم

في ظلّ الواقع الذي يعيشه العالم، يطرح الناس كثيرًا من الأسئلة حول علم الله وقدرته: هل هذه الأحداث التي تمرّ بالبشرية شرّ محض، أم أن الله يجعل منها مفاتيح للخير؟
والجواب أن في هذه الوقائع أسرارًا ربانية قد لا يدركها البشر، ومع الحديث عن قدرة الله ومشيئته، يجب اليقين بأن الله عليم بكل شيء، وأن مشيئته لا تُقدِّر لعباده إلا الخير، كما قال تعالى:
﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾.

ومن الجميل والمريح للنفس، في خضمّ هذا الواقع، أن نعيش مع وصايا لقمان لابنه، التي سطّرها القرآن لتكون منهجًا تتربّى عليه الأجيال جيلًا بعد جيل. فقد أوصاه أولًا بالتوحيد:
﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾،
ثم ذكّره بعلم الله الشامل:
﴿يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير﴾.

كما دعاه إلى إقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على البلاء، والتواضع، وحسن الخلق، وضبط السلوك. وهذه الوصايا تؤكد حقيقة علم الله المطلق، الذي لا تخفى عليه خافية، فهو سبحانه يعلم دقائق الأمور، ويسمع دبيب النملة في الظلام.

ومن كان علمه كذلك، فإنه يحيط بكل شيء من أحوال العباد، فلا يخفى عليه ظلم ظالم ولا معاناة مظلوم. وقد يُمهل الظالم، لكن ذلك إلى حين، حتى يأتي يوم الحساب. وفي الحديث القدسي:
«إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه».

إن إدراك سعة علم الله ووحدانيته يزرع في النفس رقابة ذاتية حقيقية، تدفع الإنسان إلى الاستقامة وتمنعه من الانحراف. وهذه المعرفة يجب أن تبقى ثابتة في كل زمان ومكان، مع اليقين بأن كل ما يقدّره الله يحمل في طيّاته الخير، وإن بدا في ظاهره غير ذلك، فهو سبحانه لطيف خبير.

كما أن هذا الاعتقاد يردع عن الظلم والتعدّي، لأنه من أقوى دوافع الإخلاص، وأعظم موانع المعصية. فالإنسان حين يدرك نعم الله التي لا تُحصى، كما قال تعالى:
﴿وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها﴾،
يستحي أن يقابلها بالجحود أو العصيان.

وفي الحديث القدسي:
«أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرّهم إليّ صاعد»،
وهو تصوير بليغ لحال الإنسان مع نعم الله.

وليس عبثًا أن سنّ لنا النبي ﷺ قراءة سورة الكهف كل يوم جمعة، لما تحمله من معانٍ عظيمة، منها قصة موسى عليه السلام مع الخضر، التي تؤكد أن علم الله أوسع من إدراك البشر، وأن لكلٍّ علمه الذي علّمه الله إياه.

إن هذا الفهم العميق لعلم الله يبعث الطمأنينة في النفس؛ فالمظلوم، وإن خذله الناس، يعلم أن الله ناصره، وأن حقه لن يضيع، وأن الظلم لا يدوم. لكن كثيرًا من الناس يستعجلون، والله يقول:
﴿وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودًا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء﴾.

وفي الختام، يبقى اليقين بأن الله عليم بكل شيء هو النور الذي يهدي القلوب، ويزرع فيها السكينة، ويمنحها الثبات في مواجهة تقلبات الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *