رسالة إرشاد بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 10/04/2026

مما لا شكّ فيه أنّ العالم بأسره انشغل في تتبّع أخبار هذه الحرب اللعينة، حتى أصبح كثير من الناس يستنتجون استنتاجات قد لا تحاكي الواقع. وانشغل آخرون في التحليل، محاولين دفع الناس إلى تبنّي أحكامٍ مبنية على فهمٍ شخصيّ للواقع.

ولستُ هنا في مقام معارضة أحدٍ في طريقة تفكيره، ولكنّ ما أهدف إليه هو الدعوة إلى فهمٍ واعٍ للواقع، وإلى حسن التصرّف في ظلّ هذه الشدائد والتحديات، بما يخفّف من آثار هذه الحرب قدر الإمكان.

لذا، فإنّ على العقلاء أن يقفوا وقفةً صادقة، يثبتون فيها على مبادئهم وعقيدتهم، دون أن ينخدعوا بكل ما يصل إليهم من أخبار أو مواقف صادرة عن بعض المنتفعين؛ حتى يسلموا من الانحراف، ومن وساوس الشيطان التي قد تجرّ إلى اضطراباتٍ نفسية بات يعاني منها كثيرون.

إنّ من صحّ تعلّقه بربّه، وطمع فيما عنده، يعلم يقينًا أنّ كلّ ما يجري في هذا الكون بعلم الله وتقديره، فلا حركة ولا سكون إلا وهو سبحانه محيط بها علمًا. والمؤمن في أوقات الأزمات تجده فاعلًا للخير، سبّاقًا إليه، مصداقًا لقول النبي ﷺ:
“عجبًا لأمر المؤمن، إنّ أمره كلّه له خير…”؛ فإن أصابته سرّاء شكر، وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرًا له في الحالين.

ومن هذا المنطلق، فإنّ المؤمن لا تنهزم نفسيته، ولا يجزع عند الفزع، بل يأخذ بالأسباب، ويحسن التوكّل على الله، ويضبط سلوكه وفق ما يرضيه، فلا يكون لعّانًا ولا طعّانًا، ولا يسلك مسلك الجهلاء، بل يزن الأمور بميزان الحق، ويسأل الله الثبات، كما قال تعالى:
“يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة”.

وبما أنّ الثبات منحةٌ من الله، فلا بدّ من التوجّه إليه والاعتصام به، قال تعالى:
“ومن يتوكّل على الله فهو حسبه”،
وقال: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون”.

وفي ظلّ هذه الظروف، تبرز الحاجة الملحّة إلى التكاتف والتناصر والتناصح، فبها تنزل معونة الله، كما قال تعالى لموسى عليه السلام:
“سنشدّ عضدك بأخيك”،
وقال النبي ﷺ: “والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”.

ومن هنا، فإنّ وحدة الصف وتكامل الجهود أمران ضروريان لتجاوز هذه المحنة بأقلّ الخسائر، سواء على مستوى الأفراد أو المجتمع.

كما ينبغي عدم التهاون في الجانب الاقتصادي، إذ لا يجوز أن يبقى الإسراف والتبذير سائدين في حياة الناس، بل لا بدّ من ترشيد النفقات، خاصة في الكماليات، والاقتصار على الضروريات، حتى لا تقع الأسر فريسة للضغوط الاقتصادية. وقد قال النبي ﷺ:
“ما عال من اقتصد”،
وقال: “الاقتصاد نصف المعيشة”،
وقال تعالى: “ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا”.

ولا يخفى على أحد أثر هذه الحرب على الجوانب المادية والاجتماعية والنفسية؛ فالغلاء بات فاحشًا، وقد تتفاقم الأوضاع مع احتمالات البطالة. أما على الصعيد الاجتماعي، فإنّ أخطر ما يظهر هو تصاعد الخلافات داخل البيوت، حتى أصبح الطلاق حديثًا متكررًا لدى كثيرين.

وهنا، لا بدّ من التنبيه إلى خطورة هذه الصراعات على نفسية الأبناء ومستقبلهم. ونصيحتي للآباء أن يتحلّوا بالحلم وضبط النفس، امتثالًا لقوله تعالى:
“والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين”،
وقوله: “ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم”.

فبالصبر، وحسن المعاشرة، والكلمة الطيبة، يمكن الحدّ من آثار الأزمات الاقتصادية والنفسية على العلاقات الاجتماعية، وهي من أخطر ما تخلّفه الحروب.

كما أنّ من الأخطاء الشائعة بثّ الهلع والخوف أمام الأبناء، مما ينعكس سلبًا على شخصياتهم. والصواب هو التعامل بهدوء وثبات، وتعليمهم السلوك السليم عند الخطر، والتوجّه إلى الأماكن الآمنة دون اضطراب، ليكونوا قادرين على مواجهة الحياة بثقة.

ولا ينبغي إغفال دور الصلاة والعبادات في تربية الأبناء وتعزيز الطمأنينة في نفوسهم، فبذكر الله والدعاء والاستغفار، ومع حسن الخلق، ينال العبد أجرًا عظيمًا، خاصة في أوقات الفتن، كما قال النبي ﷺ:
“العبادة في الهرج كهجرةٍ إليّ”.

نسأل الله أن يرفع البلاء، وأن يحفظ الناس، وأن يخرج الجميع من هذه الأزمة بأقلّ الخسائر، وأن يثبّتنا على الحقّ في كلّ حال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *