رمضان واحة التغيير بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 27/02/2026

رمضان واحة التغيير
بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء

قال الله تعالى:
﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾.
بهذه الآية يبيّن الله جلّ في علاه أن الحياة ميدان ابتلاء، وأن التفاضل بين الناس يكون بحُسن العمل. ومن رحمته سبحانه أن جعل لعباده مواسم للطاعة والارتقاء، يتزوّدون فيها بالإيمان ويجددون العهد معه، ومن أعظم هذه المواسم شهر رمضان المبارك.

رمضان ليس شهراً للامتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل هو فرصة حقيقية للتغيير؛ انتقال من الحسن إلى الأحسن عند أهل الإحسان، وباب مفتوح للتوبة أمام العصاة. وقد تكفّل الله تعالى في هذا الشهر بتصفيد الشياطين، وفتح أبواب الجنة، وإغلاق أبواب النار، لتتهيأ النفوس للسير في طريق الاستقامة، عبر مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء، وإلزامها السلوك القويم.

الغاية الكبرى من الصيام هي بلوغ منزلة التقوى، كما قال تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾.
والتقوى ليست شعاراً يُردَّد، بل حالة وعي دائم تجعل العبد يستشعر مراقبة الله، فيمتنع عما نهاه عنه، ويُقبل على ما أمره به. فمن امتنع في نهار رمضان عن الحلال امتثالاً لأمر الله، فهو أولى أن يبتعد عن الحرام في كل زمان.

وأول ميادين التغيير في رمضان: اللسان. فقد قال النبي ﷺ:
«من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»،
وقال ﷺ: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم».
وبيّن ﷺ خطورة أذى اللسان حين أخبر عن امرأة كثيرة الصلاة والصيام تؤذي جيرانها بلسانها فقال: «هي في النار»، في مقابل امرأة قليلة النوافل لا تؤذي أحداً فقال: «هي في الجنة».

كم من بيت تهدّم بسبب كلمة، وكم من رحم قُطعت، وكم من فتنة اشتعلت بسبب اللسان. فلنجعل من رمضان مدرسة لضبط الكلام، ولنحوّل ألسنتنا إلى أداة ذكرٍ وإصلاح، لا وسيلة أذى وخصام.

ومن روّض نفسه في رمضان على طول القيام بين يدي الله، حتى وجد في العبادة راحته وسكينته، فقد خطّ لنفسه طريق السعادة. فالغايات لا تُنال بالأماني، بل بالجدّ والاجتهاد والمثابرة. وقد وعد الله المجاهدين في سبيله بالهداية فقال:
﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾.

كما أن من ثمار الصيام ضبط النفس عند الغضب، مصداقاً لقوله ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب». فرمضان يعينك على الحِلم، ويهذب انفعالاتك، ويمنحك فرصة لمراجعة أحكامك على الناس، بعيداً عن التهور والظلم.

ولا يكتمل صيام المؤمن دون تفاعل مع مجتمعه، اقتداءً برسول الله ﷺ الذي كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. وقد وصف الله عباده الصالحين بقوله:
﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً﴾.
فلنجعل من رمضان ميدان سباق في البذل والعطاء، كما قال الحسن البصري: “إنما جعل الله رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته”.

وقد قسّم بعض العلماء الصيام إلى ثلاث مراتب:
• صوم العوام: الامتناع عن الطعام والشراب والشهوات.
• صوم الخواص: صون الجوارح عن المعاصي، واللسان عن الغيبة والنميمة.
• صوم خواص الخواص: صيام القلب عن الأفكار السيئة، فلا ينشغل إلا بما يرضي الله.

فالصيام مدرسة سلوك، لا حركات شكلية؛ فقد قال ﷺ: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر». السعيد من جعل رمضان نقطة انطلاق إلى الأحسن، لا محطة عابرة تمرّ دون أثر.

وفي ختام هذا الشهر المبارك، نتذكر أن للصائم دعوة لا تُرد، فليُطِل كلٌّ منا وقوفه بين يدي الله، وليناجِه بقلب منكسر خاشع، مستحضراً قوله تعالى:
﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾.

وقل:

يا ربّ قد ضاقت بنا الأحوال فاجبر كسرنا
جلّ البلاء بنا وطال الداء
أنت النصير وأنت كاشف كربنا
فسحاب جودك نصرةٌ وجلاء

فليكن رمضان هذا العام واحة تغيير حقيقية، نخرج منه بقلوب أنقى، وأخلاق أسمى، وعزيمة ثابتة على طريق التقوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *