هل رمضان .
بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء
تغمر قلوبَ المؤمنين فرحةٌ لا توصف مع إقبال شهر رمضان، إذ يبلغهم الله أيامه ولياليه، ليغتنموا نهاره بالصيام، وليله بالقيام، فيتقرّبوا إلى خالقهم بأعمالٍ عظيمة الشأن، جليلة القدر. ولا شك أن أجر هذه الطاعات، بعد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، من أجلِّ ما يُتقرّب به إلى الله، لا سيما إذا زُيّنت بحُسن الخلق وصفاء السريرة.
وقد قيل:
كم كنتَ تعرفُ ممن صام في سلفٍ **من بين أهلٍ وخلّانٍ وإخوانِ
أفناهمُ الموتُ واستبقاكَ بعدهمُ **حيًّا فما أقربَ القاصي من الداني
ففرصة الحياة نعمةٌ عظيمة، ومن وُفّق لبلوغ رمضان فقد مُدَّ له في الأجل ليغتنم هذا الموسم المبارك، ويؤدي فريضةً فرضها الله على عباده، وخصّها لنفسه بالأجر والثواب.
قال تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾،
وقال رسول الله ﷺ:
«بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا».
وقد ميّز الله شهر رمضان بإنزال القرآن فيه، فقال سبحانه:
﴿شهر رمضان الذي أُنزِل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾.
فهو شهر الهداية، وشهر الفرقان، وشهر اليسر الذي أراده الله لعباده، لا العسر. والمؤمن الصادق يُلبّي نداء ربه بقلبٍ خاشع قائلاً:
﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾.
إن الغاية من الصيام بلوغ منزلة التقوى، وهي منزلةٌ لا يدركها إلا من عرف قدرها. ومن معاني التقوى: أن لا يراك الله حيث نهاك، وأن يجدك حيث أمرك. وقيل في تعريفها:
الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
وقد بيّن النبي ﷺ فضل هذا الشهر العظيم فقال:
«من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»،
وقال:
«الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر».
ومن أخطر ما يحبط أجر الصيام الغيبة والنميمة وسوء الخلق؛ فليس الصيام امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو صيام الجوارح عن المعاصي، وصيام القلب عن الأحقاد.
ومن رحمة الله بعباده في هذا الشهر أنه يهيّئ أسباب المغفرة، فقد قال ﷺ:
«إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفّدت الشياطين»،
وفي رواية:
«وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة».
فإذا صُفّدت الشياطين، لم يبقَ إلا النفس الأمّارة بالسوء، وهنا يكون الجهاد الأكبر: تهذيب النفس وتزكيتها. قال تعالى:
﴿ونفسٍ وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها﴾.
ومن خصوصية الصيام أنه عبادةٌ اختصها الله لنفسه، فقال في الحديث القدسي:
«كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به… والصيام جُنّة».
فهو وقايةٌ للنفس، وحصنٌ من الشهوات، وطريقٌ إلى رضا الرحمن. وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه.
وربما تساءل بعضهم: ألسنا نعمل الطاعات طمعًا في الأجر؟ فما خصوصية الصيام؟
الجواب أن الصيام عبادة الإخلاص الخفيّ، يترك فيها العبد شهوته وطعامه من أجل الله وحده، لا يطّلع على صدقه إلا خالقه، ولذلك كان جزاؤه بلا حدّ ولا حساب.
وإذا كان رمضان شهر الطاعات، فهو كذلك شهر التوبة النصوح، قال تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا عسى ربكم أن يكفّر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار﴾.
وهو شهر الصبر وتهذيب النفوس، فلا يليق أن يتحوّل إلى موسم إسراف وتفاخر بالموائد. فقد قال ﷺ: «حسب ابن آدم لُقيمات يُقِمن صُلبه».
وقال بعضهم:
فإياكم أن تصوموا صيامَ قومٍ **تكاثر في فطورهم الطعامُ
وإذا رمضانُ جاءهم أعدّوا **مطاعمَ ليس يدركها انهضامُ
وقالوا يا نهارُ لئن تجعنا **فإن الليلَ منك لنا انتقامُ
إن رمضان بركاتٌ لا تُحصى، لمن عرف قدره، وأقبل عليه بقلبٍ سليم، وعزمٍ صادق، وعملٍ مخلص. فهو مدرسة الإيمان، وموسم الغفران، وميدان التزكية، ومنحة الرحمن لعباده.
فاللهم بلّغنا رمضان، وأعنّا فيه على الصيام والقيام، وغضّ البصر، وحفظ اللسان، واجعلنا فيه من المقبولين المعتوقين من النار.




