الاستعداد لشهر رمضان (1447 هـ) بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 17/02/2026

الاستعداد لشهر رمضان (1447 هـ)

بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

أيها الإخوة والأخوات، من رحمة الله تعالى بعباده أن جعل لهم مواسم للطاعة تتضاعف فيها الحسنات، وترتفع فيها الدرجات، وتُغفر فيها الذنوب لمن أقبل عليها بقلبٍ تائب ونفسٍ صادقة. ومن أعظم هذه المواسم شهر رمضان المبارك، شهر الصيام والقيام، الذي يفتح أبواب الرحمة والمغفرة لمن صامه إيمانًا واحتسابًا، وقام لياليه إيمانًا واحتسابًا، والتزم حدوده بأخلاقه وعاداته ومعاملاته.

إن الاستعداد لاستقبال رمضان يشبه استعداد الطالب المجتهد ليوم التحاقه بالمدرسة؛ فكما يشتاق لطلب العلم، ينبغي للمؤمن أن يزداد شوقًا لدخول هذا الموسم الإيماني العظيم. فكم من أناس عاشوا معنا ولم يدركوا رمضان، بينما تُكتب الأعمال بالنيات الصادقة، وقد قال تعالى:
﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

ومن فضل الله علينا أن نبتهل إليه أن يُهِلّ علينا رمضان باليُمن والبركة، فمدرسة رمضان الإيمانية والأخلاقية تمنح روادها أعظم شهادة تقدير: المغفرة والرضوان. أما من غفل عن الاستعداد له، فقد خسر خيرًا عظيمًا، وقد ورد عن النبي ﷺ:
«بَعُدَ مَن أدرك رمضان ولم يُغفر له».

وقد كان سلفنا الصالح يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا انقضى دعوه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم. ومن تأمل سيرة النبي ﷺ وجد أنه كان يتهيأ لرمضان بكثرة الطاعة، ومن ذلك الإكثار من الصيام في شهر شعبان ومحاسبة النفس، فقد كان يكثر من صيامه حتى يقال إنه لا يفطر فيه.

وشعبان هو شهر ترفع فيه الأعمال، وفيه ليلة النصف التي يغفر الله فيها لعباده إلا لمشرك أو مشاحن أو قاطع رحم؛ لذلك كان السلف يحرصون على تنقية القلوب من الأحقاد والضغائن قبل دخول رمضان، ليأتي هذا الشهر فيثبت القلوب على صفائها وعهدها الجديد.

ومن أعظم الأعمال عند الله سلامة القلب؛ فقد سُئل رسول الله ﷺ: «أي الناس أفضل؟» فقال: «كل مخموم القلب، صدوق اللسان»، فقيل: ما مخموم القلب؟ قال: «هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد».

وكان النبي ﷺ يبشّر الناس بقدوم رمضان بقوله:
«أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم مبارك، فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعًا…»، وهو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وشهر الصبر والمواساة، حيث يُضاعف الأجر حتى في أبسط أعمال الخير كإفطار الصائم ولو على تمرة أو شربة ماء.

ورمضان هو شهر القرآن؛ لذلك كان الصحابة يتهيؤون له بالإكثار من التلاوة منذ شعبان. فقد كان المسلمون إذا دخل شعبان أقبلوا على المصاحف، وأخرجوا زكاة أموالهم إعانةً للفقراء على الصيام. وكان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يدارسه جبريل القرآن، وقد قال تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.

ومن هنا، فإن مدرسة رمضان لا تدعونا إلى مجرد القراءة، بل إلى التدبر والعمل بما جاء في القرآن، حتى لا نكون ممن قال فيهم النبي ﷺ:
﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
وقد بيّن العلماء أن هجر القرآن يكون بترك الإيمان به، أو ترك تدبره، أو ترك العمل بأوامره، أو الانشغال بغيره.

علينا أن نستثمر رمضان في ترسيخ علاقتنا بالقرآن، حتى تبقى هذه الصلة ممتدة بعده، فالقرآن يهدي للتي هي أقوم، ويغرس روح الأخوة والمحبة بين المؤمنين. ومقرّ هذه المحبة هو القلب؛ فقد قال أبو هريرة رضي الله عنه: «القلب ملك، والأعضاء جنوده، فإن طاب الملك طابت جنوده». ويؤكد ذلك قول النبي ﷺ:
«ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».

إن شهر رمضان فرصة عظيمة لإصلاح القلوب، وتجديد العهد مع الله، والعودة إلى طريق الطاعة، حتى يخرج المؤمن منه بقلبٍ أنقى وروحٍ أقرب إلى الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *