كفى بالله وكيلاً بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 23/01/2026

كفى بالله وكيلاً
بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

يقول الله تعالى:
﴿أليس الله بكافٍ عبده ويخوّفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن يهدِ فما له من مضل أليس الله بعزيزٍ ذي انتقام﴾.

يطرح القرآن في هذه الآيات سؤالين عظيمين ليقرّر حقيقة ثابتة ينبغي أن تمتزج بعصب ودم ووجدان كل مؤمن: أن الله سبحانه وتعالى هو القادر وحده على الكفاية والحماية والنصر والتثبيت، والانتقام من الظالمين في أوقات المحن وزمن الفتن والشدائد، وأمام شرّ الأشرار وغيظ الفجّار.

ومن أدرك المعنى الحقيقي لهذه التساؤلات، ثبت على طريق الإيمان ولم يتراجع عنه، ولم يتردّد في السير إلى الله بثبات ويقين.

وقد جاءت هذه الآيات في سورة الزمر، بعد عرضٍ لحال الإنسان حين يبتليه الله بالضرّ فيلجأ إليه منيبًا، فإذا خوّله نعمةً نسي ما كان يدعو إليه من قبل، كما قال تعالى:
﴿وإذا مسّ الإنسان ضرّ دعا ربّه منيبًا إليه ثم إذا خوّله نعمةً منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادًا ليضلّ عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار﴾.

ثم يرشدنا القرآن إلى طريق النجاح والفلاح، الذي يستوجب كفاية الله لعباده إذا استجابوا لأمره، فيقول:
﴿قل يا عبادِ الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ وأرضُ الله واسعةٌ إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب * قل إني أُمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين * وأُمرت لأن أكون أول المسلمين * قل إني أخاف إن عصيت ربّي عذاب يوم عظيم﴾.

ويضيف سبحانه في موضع آخر:
﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشّر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب﴾.

ثم يأتي هذا النداء الإيماني الحاسم: ﴿أليس الله بكافٍ عبده﴾، ليستقرّ في وجدان المؤمن أن من أراد معية الله وكفايته فعليه أن يُحسن التوكّل عليه، وأن يثبت على المبدأ، وألا ينهزم أمام التحديات، ولا تفتنه الدنيا بزخرفها، لأن ما عند الله خيرٌ وأبقى. وأن يبقى سبّاقًا إلى الخير، مخلصًا لله في أقواله وأفعاله وعبادته، خائفًا من معصيته، مستسلمًا لجلاله وعظمته.

ورغم أن الخطاب في هذه الآية موجّه إلى رسول الله ﷺ، إلا أنه خطاب عام لكل من طلب الاستقامة على أمر الله. وقد حرص النبي ﷺ على ترسيخ هذه المعاني في نفوس أصحابه، صغارًا وكبارًا، فقال:
«واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لن يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف».

وبمثل هذه المفاهيم الإيمانية يزيل الله عن المؤمن همّه، كما قال تعالى:
﴿فإن تولّوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكّلت وهو ربّ العرش العظيم﴾.

وقد كان رسول الله ﷺ قدوة في ذلك عمليًا، ففي غزوة حمراء الأسد، حين حاول المشركون تخويف المسلمين بكثرة عتادهم وعددهم، قال الله تعالى:
﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوء واتّبعوا رضوان الله والله ذو فضلٍ عظيم﴾.

ومن هذا الإيمان الصادق تنبع المبادرة إلى العمل الصالح ورفع الهمّ عن الخلق، ولو بلقمة تُرفَع إلى مسكين. فقد حذّر رسول الله ﷺ من الاحتكار، فقال:
«من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه، وأيّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمّة الله».

كما قال ﷺ:
«من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس».

ولا يصحّ أن يفهم التوكّل على أنه تركٌ للأسباب، فذلك فهم خاطئ. فالمؤمن يأخذ بالأسباب ويتوكّل على الله خالق الأسباب. وقد كان رسول الله ﷺ أعظم المتوكّلين، ومع ذلك لبس لامته في المعارك، واتخذ الدليل في الهجرة، وسلك طرقًا غير معتادة حفاظًا على سلامته وسلامة دعوته.

ويقول الشاعر مبيّنًا هذا المعنى:

توكّل على الرحمن في كل حاجة
ولا تؤثرن العجز يومًا على الطلب
ألم تر أن الله قال لمريم
إليكِ فهزّي الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزّها
جنته ولكن كل شيء له سبب

فبالتوكّل على الله تتحقّق الكفاية، ولذلك قال تعالى:
﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾،
وقال مخاطبًا نبيّه ﷺ:
﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين﴾.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *