تعلّمت الدرس الحقيقي بقلم المربي سامر زيدان

مراسل حيفا نت | 18/01/2026

أتذكّر نفسي طفلًا أجلس في الصف، رافعًا يدي بسؤال بسيط خرج عن نصّ الدرس، لم يكن تحدّيًا ولا وقاحة، كان فضولًا بريئًا، لكن المعلّم نظر إليّ وقال أمام الجميع: ليس هذا وقت الأسئلة، ضحك بعضهم، وصمتُّ أنا، لا لأنني اقتنعت بل لأنني تعلّمت الدرس الحقيقي في تلك اللحظة؛ أن التفكير عبء، وأن السلامة في الصمت، ومنذ ذلك اليوم صرت أحفظ أكثر وأفهم أقل، أكتب كما يريدون لا كما أرى، وأراقب كيف تتحوّل المدرسة من مساحة اكتشاف إلى مصنع طاعة، تخرّج طلابًا يعرفون الإجابة الصحيحة ويخشون السؤال الخطأ، نظام يخاف من العقل النقدي لأنه يربك الترتيب، يفضّل الصف الهادئ على العقل الحي، ويقيس النجاح بعدد الدفاتر المرتّبة لا بعدد الأفكار الجريئة، ثم نكبر ونسأل بدهشة: لماذا لا يبادر أبناؤنا؟ لماذا يخافون من الرأي؟ لماذا ينتظرون دائمًا من يفكّر عنهم؟ لأن الطفل الذي قيل له يومًا “اصمت” حين سأل، تعلّم أن النجاة في السكوت لا في الفهم، ولهذا حين صرتُ معلّمًا قرّرت أن أكسر هذه الدائرة: صفّي ليس محكمة بل مساحة آمنة، السؤال فيه قيمة لا إزعاج، والخطأ خطوة لا وصمة، أبدأ الحصة بسؤال مفتوح لا بإجابة جاهزة، أترك للطلاب حق الاختلاف، أدرّبهم أن يبرّروا رأيهم لا أن يحفظوه، لا أبحث عن الطالب الأهدأ بل عن الأكثر تفكيرًا، رؤيتي بسيطة لكنها جذرية: أن أُخرّج طلابًا قد لا يتفقون معي، لكنهم يعرفون لماذا يختلفون، طلابًا يرفعون أيديهم بثقة، لا خوفًا، لأن التعليم الحقيقي في نظري لا يصنع نسخًا متشابهة، بل عقولًا حرّة قادرة على أن تفكّر، تختار، وتتحمّل مسؤولية رأيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *