طريق السعادة بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 02/01/2026

طريق السعادة
بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

السعادة ليست محطةً نصل إليها صدفة، بل طريقٌ نسلكه بوعيٍ ومجاهدةٍ للنفس. فهي السبيل الأمثل لحياةٍ آمنةٍ مطمئنة، غير أن السير فيها يحتاج إلى بصيرةٍ وإرادة؛ إذ خُلق الإنسان في دار ابتلاء، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. فالإنسان يتقلب بين محنةٍ ومنحة، وتغلب على حياته الهمومُ والتضحياتُ والتحديات. غير أنّ المؤمن، من قلب المحنة، يستخرج المنحة والفرح؛ لأنه راضٍ بما قسمه الله له، سواء ضاق حاله أو أثقلته الديون، أو ابتُلي هو أو أحدُ أحبته بمرضٍ أو ألم، على يقينٍ بأن ما قدّره الله كائن، وما لم يقدّره لن يكون. ومن هنا ندرك أن الدنيا، مهما حيزت بمالها وقصورها، لا تصنع سعادةً حقيقية.

فكيف تتحقق السعادة؟
الجواب في غاية البساطة والعمق معًا: أن يسعى المرء إلى استجلاب السعادة إلى ساحته، وألا يبقى أسير الهمّ والغمّ. فالسعادة تُستجلب بترويض النفس على الرضا، وبالقناعة بما قسمه الله؛ فمن رضي أغلق باب القلق، وجذب الطمأنينة إلى قلبه، وقد قيل: تفاءلوا بالخير تجدوه.

وللمؤمن ميزانٌ دقيق: كفّة الدنيا والركون إليها، وكفّة الآخرة وما أعدّه الله فيها لعباده الصالحين. وهو يُرجّح كفّة الآخرة، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ويزداد يقينه بحديث النبي ﷺ: «إذا أحبّ الله قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط». فالرضا كالكير الذي يُنقّي المعادن من شوائبها، لتبقى الجوهرة الخالصة؛ وهكذا النفس المطمئنة التي سلّمت أمرها لمدبّر المقادير.

معيّة الله وذكره باب الطمأنينة
للوصول إلى هذه السكينة، يحتاج المؤمن إلى مجاهدةٍ عملية؛ أولها أن يكون في معية الله، إيمانًا بقدرته وجلاله، مرددًا قوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. ومن كان الله معه، ناجاه وأكثر من ذكره، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وفي الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني…»، فيزداد القلب طمأنينةً حين يعلم أن ذكره لله سببٌ لذكر الله له.

الدعاء… إقرار العبودية ويقين الإجابة
ومن أعظم أبواب استجلاب السعادة الإكثار من الدعاء والإلحاح فيه؛ فالله يحب العبد اللحوح. وكان من دعاء النبي ﷺ: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار»، وكان يستعيذ من الهمّ والحزن والعجز والكسل وغلبة الدين وقهر الرجال. فالدعاء إعلان يقينٍ بأن للعبد ربًّا سميعًا مجيبًا، قادرًا على تحويل الحزن فرحًا، والمرض عافية، والفقر غنى.

الإيجابية المجتمعية وصناعة الفرح
غير أن السعادة لا تكتمل بالعبادات القلبية وحدها؛ بل تحتاج إلى فاعليةٍ في المجتمع وبين الأهل، رغم التحديات. فالحزن لا ينبغي أن يعرقل حركة الحياة. ومن أراد أن تطرق السعادة بابه، فليقف على أبواب الخلق لإسعادهم؛ ففي الحديث: «أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبّ الأعمال إلى الله سرورٌ تُدخله على مسلم». ومن أنفق خيرًا وفعل معروفًا، سُخّر له ملكٌ يدعو: «اللهم أعطِ منفقًا خلفًا»، وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾.

صحبة السعداء ومفاتيح البركة
ومن أسباب السعادة مخالطة أهلها؛ فقد قيل: صاحب السعيد تسعد، وصاحب التعيس تتعس. وضرب النبي ﷺ مثل الجليس الصالح وجليس السوء بحامل المسك ونافخ الكير؛ فالأول يفيض طيبًا وخيرًا، والآخر يجلب أذىً وتعاسة. وصحبة الصالحين صحبةُ تفاؤلٍ ورضا، وكلمةٍ طيبةٍ، وهي مفاتيح للخير والبركة.

العفو… كنز السعادة
ومن ملك مفاتيح الخير فليكن طيب النفس، سهل المعاملة، عفوًا صفوحًا، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. وقد لخّص الإمام الشافعي هذا المعنى بكلماتٍ خالدة:
لما عفوتُ ولم أحقد على أحدٍ
أرحتُ نفسي من همِّ العداواتِ.

بهذا الإحساس يرى المؤمن كل ما حوله جميلًا، ويجعل من العائق أملًا ورجاءً. فهو كالمريض الذي يتجرّع الدواء المرّ، ليعبر بعده إلى صحةٍ وعافية. تلك هي طريق السعادة: وعيٌ، ورضا، وذكرٌ، وعملٌ، وعطاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *