الإصلاح والاستقامة بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 26/12/2025

الإصلاح والاستقامة
بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

بدايةً، أتقدّم إلى جميع المحتفلين بميلاد السيد المسيح ورأس السنة الميلادية بأحرّ التهاني، راجيًا أن يحمل العام الجديد الخير والسلام للبشرية جمعاء، وأن يعمّ الأمن والاستقرار أرجاء العالم، ولا سيّما عالمنا العربي، وأن تنعم الأُسر بحياة آمنة مطمئنّة. غير أنّ الواقع المؤلم يدفعنا، بكل أسف، إلى ترديد المقولة الموجعة: «بأيّ حالٍ عدتَ يا عيد».

وفي هذه المناسبة، نوجّه دعوة صادقة إلى الاستقامة والإصلاح؛ فبهما تُصان الكرامة، وتتحقق الحرية، ويستقيم ميزان الحياة. وإنّنا إذ نكتب هذه الكلمات، نوقن أنّ في مجتمعاتنا من استدرجه الشيطان حتى غدا معول هدمٍ لكل فضيلة وخير. ومع ذلك، فإنّ يقيننا بخيرية أبناء أمّتنا راسخٌ لا يتزعزع، إذ ستبقى فيهم الخيرية إلى يوم القيامة. ومن هذا المنطلق، ندعوهم بقلوبٍ عامرةٍ بالمحبّة والرحمة إلى الصلاح والاستقامة، طمعًا في رحمة الله ورضوانه.

قال تعالى: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فالصالح المستقيم لا يمكن أن يكون شريكًا في مشروع فسادٍ أو إفسادٍ في الأرض؛ بل يقف نقيضًا له، لأنّ النداء إلى الصلاح صادرٌ عن ربّ السماوات والأرض القائل: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.

ولا يتحقق الصلاح، ولا تستقيم أحوال المرء، إلا إذا صلح قلبه، وكان ضميره حيًّا، ينظر إلى الأمور بميزان الحلال والحرام، ويتوخّى الإخلاص لوجه الله تعالى، امتثالًا لقوله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. وقد بيّن رسول الله ﷺ حقيقة هذا المعنى بقوله: «ألا وإنّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب».

وفي الإصلاح والاستقامة يشارك المؤمنون الأنبياءَ مهمّتهم. فهذا نبيّ الله شعيب عليه السلام دعا قومه إلى الاستقامة، ونهاهم عن التلاعب بالمكيال والميزان، مبيّنًا أنّ غايته الإصلاح، كما جاء في قوله تعالى:
﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ… إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

فاستقامة العقيدة والسلوك سببٌ لرفع الهلاك عن الأمم، وهو وعدٌ إلهيٌّ قطعه الله على نفسه، إذ قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. بل إنّ أهل الإيمان الصادق ينعمون بالأمن النفسي، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.

ومن دلالات هذه الآيات أنّ الانحراف عن الاستقامة يجلب الخوف والفزع والهلاك، ولا يقتصر أثره على المفسدين وحدهم، بل يتعدّاه إلى من رضي بأفعالهم واتّخذهم أولياء، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾. وقد أكّد رسول الله ﷺ هذا المعنى حين قال: «ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب»، ولما سُئل: «أنهلك وفينا الصالحون؟» قال: «نعم، إذا كثر الخبث».

ومن تاب فليقل: ربي الله ثم استقم. فقد قال ﷺ لسفيان بن عبد الله الثقفي: «قل آمنت بالله ثم استقم». وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

وليعتبر الناس بمن سبقهم من الأمم التي طغت وفسدت ولم تُصلح، كعادٍ وثمود وفرعون ومن على شاكلتهم، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.

والمستقيم الصالح يخاف على نفسه من عدم قبول عمله، فيجدّه دائم الاجتهاد في الطاعات، شديد الحذر من المعاصي. وهذا حال سلفنا الصالح، إذ قال الحسن البصري: «أدركت أقوامًا لو أنفق أحدهم ملء الأرض ما أمِن لعِظم الذنب في نفسه». فلا يغترّنّ أحدٌ بكثرة العمل، بل لينظر إلى إخلاصه؛ فقد يكون العمل سببًا للهلاك إن خلا من الإخلاص، أو صاحبه العُجب. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «الهلاك في اثنتين: القنوط والعُجب».

ومن جميل ما رُوي عن سعيد بن جبير رحمه الله قوله: «دخل رجل الجنة بمعصية، ودخل رجل النار بطاعة». فقيل له: كيف ذلك؟ قال: «عمل رجل معصية فظلّ خائفًا منها، فكان خوفه سبب نجاته. وعمل آخر طاعة فظلّ معجبًا بها، فأحبط الله عمله».

نسأل الله أن يجعلنا من أهل الإصلاح والاستقامة، وأن يتقبّل أعمالنا بفضله وكرمه، وأن يعمّ السلام والأمن ربوع أوطاننا، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *