في الأدب التمثيلي بقلم المربي رشدي الماضي.

مراسل حيفا نت | 23/12/2025

في الأدب التمثيلي
رشدي الماضي.
يُظهر الاستعراض التّاريخي لسيرة ومسيرة الأدب العربي، أنّ ما يُعرف بالأدب التمثيليّ يُعتبر أدباً دخيلاً على أدبنا المعاصر، لأنّنا لم نتوارثه لا عن الفراعنة ولا عن العرب، رغم ظهور بعض الفنون الشّعبية التي تُشْبه فنّ المسرح كخيال الظّل والأراجوز وصندوق الدنيا في مصر…
لذلك، يُمكننا أن نخلص إلى أنّ الفنّ المسرحي الذي ظهر في مصر والعالم العربيّ منذ النّصف الأخير من القرن التّاسع عشر، لم يستطع أنْ يخلق أدباً تمثيليّاً على غرار الآداب التّمثيليّة في العالم الغربيّ، إلّا منذ عام 1927، وهي السَّنة التي أصدر فيها الشّاعر أحمد شوقي مسرحيته الشِّعريّة “مصرع كيلوبترا”، ثُمَّ أعقبَهُ كوكبة من أُدبائنا فأخذوا يكتبون المسرحيّات شِعراً ونثراً بالعربيّة الفُصحى وبالعاميّة…
ولا بُدَّ أن نُضيفَ ونحن في هذا الصّدد، أنَّ فنّ التمثيل قد سبق ظهور الأدب التِّمثيلي في العالم العربي الحديث خلال عشرات السّنين, ونُسارِع إلى التّأكيد هنا، أنَّ فَنَّ التّمثيل لم يظهر في العالم العربي لِخدمة الأدب التمثيلي أو إحياء له، بل نُظِر إليه عند نشأته كوسيلة من وسائل التّسلية والتَّرفيه، لذلك يُصَاحبه ظهور ما يُعرف بالأدب التّمثيلي الّصّرْف…
لكن، توخيّا للدّقة المطلوبة، نقول:- أنَّ ظهور وثُمَّ انتشار هذا النّوع من الفنون الشَّعبيّة في العالم العربيّ بهدف التّرويح، شَكَّلَ التُّربةَ الخصبة في آن إلى ظهور الأَدب التّمثيلي لأنَّ هذه الفنون الشَّعبيّة تستند في نفس الوقت عند انتشارها إلى أدب تمثيليّ يستحق الخلود ويستحقّ أنْ يدخل، من أوسع الأبواب إلى تراثنا الأدبي، لِيُعَدَّ بالنّتيجة فَنّاً من فنون الأَدب التِّمثيلي الرَّفيع…
وهنا يجب أن أضيف، أنَّ الأدب التّمثيلي عندما أخذ يظهر في العالم العربيّ الحديث على يد كوكبة من كبار أُدبائنا، لم يراعَ فيه تطور الأدب التَّمثيلي العالمي، كما لم يُراع مستوانا الثّقافيّ وحاجاتنا النّفسيّة، لذلك ظهرت عندنا مسرحيات شعريّة تُشبه المسرحيات الكلاسيكيّة في معالجة الموضوعات التاريخيّة، واختيرت من حياة الملوك والامراء والسَّادة كمسرحية “قمبيز” لشوقي و “شجرة اُّلدُّر” لعزيز أباظة، بينما كانت تظهر وتتطوّر في الغرب “الدراما الحديثة” أيّ المسرحية الجدّية، التي لا تستمدّ موضوعاتها من التاريخ ولا تقصره على حياة الملوك والنبلاء، بل تستمدها من حياة عامّة الشّعب وأفرادهم، كما كانت تُكتب نثراً على نحو ما نشاهده في مسرحيات ابسن وبرناردشو الجديّة…
لذلك نقول:- كم كان سيُثْري تُربة أَدبنا التمثيلي: لو تبيّنا تطور الفنون الغربية وخصائصها في مراحلها المختلفة، حتى نُكسب ما نقتبسه، وما تُنشِئهُ من أدب، كلَّ ما يستحقّهُ من نجاح كفنّ رفيع من فنون الأدب وذلك بصفة دائمة مطردة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *